لم يكن أبي ـ يرحمه الله ـ ثرياً ولم يكن تاجر عقار، ولعلني من أجل هذه الحقيقة فقدت بشكل شخصي أي حجة جاهزة وتلقائية لتبرير ما ملكت وما سأملك. وبجملة أخرى، فقدت حيلة سينمائية لغسل ما كان أو سيكون، وكنت حتى وقت قريب، أو مرحلة وعي متأخرة، أعتقد أن غسل الأموال هو وضع النقود الورقية المهترئة في – طشت – ساخن ثم أسكب فوقها ملعقة من سائل الديتول. مشكلتي مع أبي هي ذات مشكلتي مع نفسي أننا معاً اخترنا أن تكون كل أيام حياتنا تحت أضواء الشمس وفي الهواء الطلق.
عاش والدي عشرة أعشار حياته في قرية محصورة لها حدودها الإقليمية الواضحة معالمها بأوثان صخرية في حدودها الأربعة، واخترت أنا وبكل غباء واعتباط أن أعيش تسعة أعشار ما عشت، نائياً بعيداً في أدغال الأطراف وحتى العشر الشارد أمضيته طالباً مبتعثاً في الغرب، أشحذ نهاية الشهر بضع دولارات من زملاء البعثة حتى نزول المرتب. أفقدني هذا الخيار الغبي فرصة هائلة وحيلة تلقائية لغسل ما كان أو سيكون. وخذ بالمثال أنني أستقبل في المعدل الأسبوعي ما لا يقل عن اتصالين من قنوات فضائية للظهور معهم في برامج مختلفة، ولكنهم يعتذرون عندما يتعثر عليهم ظهوري من الأستوديو المباشر، ولأجل هذا فقدت تبرير ثروتي عبر حجة المكافآت التي يدرها هذا الظهور الفضائي حتى ولو كان الأصل أن أظهر فيها مجاناً وبالفزعة. حياتي على أطراف الأطراف أبعدتني عن أكون – طراراً – على الموائد السمان مثل ما يتهم بعضنا بعضا، وسأعترف أنه بعد اليوم لا مشكلة لدي مع – الطرارة – بعد أن أصبحت تهمة ثقافية معلنة.
المشكلة عندي هي كيف سأغسل أموالها وأنا بخيار المكان وأسلوب الحياة لا أملك الحيلة ولا التبرير. لا أملك في بيتي حتى غسالة صحون أتوماتيكية. والأدهى أنني مازلت أستحي وأخجل من زوجتي وأطفالي فأضرب ألف احتمال لسؤالهم المستقبلي: من أين لك هذا؟ مازلت حائراً وقروياً يغرق في – فنجان قهوة – عندما أفكر في الآلاف من حولي وكيف يجيبون أطفالهم عن مصادر ثروة فجائية تنمو بسرعة الصاروخ وتستعصي على الفهم الطفولي لمسائل الحساب رغم أن الرواتب وحدها من أبسط المسائل الحسابية. كيف أبرر لزوجتي بضعة ملايين ترد فجأة لحسابنا البنكي المشترك وكيف ستغسلني بأسئلتها مثلما تغسل ثيابي نهار كل جمعة، ومرة عاشرة: أعترف لكم بأنني جاهز للانحراف، ولكن: ساعدوني في العثور على حيل لغسل هذه الأموال وغسل ماء الجيب وما فيه.