ذهبت ضيفاً بعد دعوةٍ من صديق واشترطت على ألاَّ يكون على الوجبة المقدمة أي من أصناف الأرز! فأجابني سريعاً: وماذا أقدم لك إذن؟... وافق بعد إلحاح، وصلت إليه.. قُدمت السفرة وكان عند وعده لي.. جلس أبناؤه على السفرة ولم يأكلوا ونظروا إلى بعض بتهكمٍ وحسرة .. ذو الخامسة قال "يا بابا أين الرز اليوم؟" ضحكنا.. وأردفها أنا لن آكل، وألم أقل لكم أحب الرز وما أحب آكل إلا هو؟!
تلك الجزئية نقطة من نقاط انطلاق الترهل المنتشر بين كثيرٍ من السعوديين بدءاً من منظر (الكرش) والخافي الأعظُم، وهنا سننطلق بالأرقام نحو تلك الكروش، إحصائيةٌ صحية تقول إن هناك نحو أكثر من ثلاثة ملايين شخصٍ في السعودية يعانون من السمنة والوزن الزائد، ودراسة أخرى توضح أن 60% من أطفال السعودية أكثرهم نسبة و(ظُلماً)، ونسبة أخرى تقول إن ما نسبته 40% من المجتمع من جميع الشرائح المجتمعية مهددون بالإصابة بالسمنة، ونصفهم من السيدات السعوديات!
والحقيقة عند استعراض المشكلة وتفكيكها نجد أنها تبدأ بعاداتٍ غذائية قاتلة وبماركةٍ سعودية نبدؤوها بجميع أصناف الأرز في العالم وخلطها مع (المفاطيح) التي أثبتت علوم الاقتصاد والاجتماع والعلوم الحديث أننا لن نستطيع كسعوديين أن نستغني عنها؛ وتذكروا معي عندما ثار (الأرز) علينا في ربيعه قبل عامين.. ماذا حل بعقولنا قبل بطوننا؟
الأمُّ السعودية قد تكون شريكاً في تلك الثقافة ولكنها تبقى مغلوبة على أمرها فهي تطبخ وتنفخ المحمر والمشمر مع كتب الطبخ المتنوعة ولكن لا يرضي (سي سيد) سوى أن يكون مشمراً عن (فكيه)، وأين الكبسة؟ دون مراعاة للبشر الذين يعيشون معهم، وذلكم آباء الجيل الجديد يشترون لأبنائهم أغلى الملابس وأفضل الألعاب، ويهملون تماماً شراء غذاء صحي يليق بأجساد أبنائهم التي تعتريها الشحوم.
ألعابٌ وأندية رياضية محدودة، والأخرى مدعومة والجمهور يتفرج كالعادة وفي أيديهم مشروبٌ غازي!، وجباتٌ مدرسية يدَّعون أنها صحية وهي خط انطلاق لأولمبياد السمنة المبكرة، حصصٌ رياضية مازالت تمارس في المدارس بطريقة ركلة (البوز) من معلم ذي كرش، والحقوها يا أبطال حتى تسمعوا صوت الجرس! انظروا إلى كمية إعلانات المطاعم وقد تغطت دهوناً لا تتحمله ألوان برامج (الفوتوشوب)، يحاكيها جيل التقنية الحديثة في الجلوس تسمراً دون وقوف أو توقف مع إدمان لوجبات الـ (junk food).
جميعنا نعرف أن السمنة لم تعد مجرد حالة تهدد من يصاب بها وتحرمه شكلاً، بل توصلت إلى فتح أبوابٍ من جهنم الأمراض المزمنة التي تدق نواقيس قلب وصحة كل أسرة في العالم، ولمن يرى أن الدول المتقدمة أفضل منا فعليه أن يتأمل الدراسة الأخيرة لجمعية خبراء التأمين الأمريكية التي توضح أن إجمالي التكلفة الاقتصادية في أمريكا نتيجة الوزن الزائد والسمنة 270 مليار دولار كل عام، بينما بلغت التكلفة في كندا نحو 30 ملياراً، ويصل معدل الوفيات في أمريكا بسبب السمنة إلى ما يزيد على ربع مليون حالة وفاة سنوياَ، فانظروا إلى معدل الإصابات وفروعها، وتذكروا النسب المخيفة بعاليه لدينا ولديهم!.
لا نستطيع تجاهل حقيقة السمنة وظاهرة الكروش في المجتمع السعودي، ولكن المشكلة تكمن في تغييبها وإهمالها وكأنها أمر طبيعي كما هي كثير من مشاكلنا، لقد حان الوقت أن يتحرك الخبراء الصحيون والتربويون، وأصحاب الأعمال، وصناع الإعلام لمساعدة المجتمع وأطفاله في اتخاذ خيارات ذكية وصحية، فالوعي ليس منشورات توزع ومطويات تعمل لتغطي نشاطاً صحياً أو مدرسياً، بل الجميع يحتاج إلى التوعية والأساليب التربوية الناجحة بتعويد الأطفال ومنذ البداية على ضرورة الأكل الصحي المفيد، وكذلك بتوزيع أوقات الترفيه التي تشمل الألعاب الحركية، والحزم معهم في عدم تناول المأكولات السريعة عند جلوسهم في المنازل للمحافظة على أوزانهم، وكذلك إيجاد أندية رياضية للأطفال تساهم في الجانب اللياقي والصحي لهم، مع تبني إنتاج برامج درامية أو كرتونية تحاكي السمنة وأخطارها وتجنبها وطرق معالجتها، وهذا قد يوفر على مستقبل أبنائنا وصحتهم الكثير، ويرشِّد في الميزانية الصحية المرتفعة التي تصرف لعلاج ملايين المصابين نتاج ذلك حتى نحميهم ونحفظ لهم سلامتهم كي لا يصبحوا مترهلين جسداً وعقلاً!