قبل أيام انعقد الاجتماع الوزاري المشترك الرابع للحوار الاستراتيجي بين دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا تحت عنوان "الدوافع والمحفزات". وهو عنوان لافت يشير إلى رغبة الطرفين في البحث عن العوامل الموضوعية التي "تدفع" بهذا التعاون إلى مستوى تحقيق أهداف الأطراف المشتركة فيه مع تأكيد الإرادة لتوفير المناخ واتخاذ الخطوات العملية "المحفزة" على المضي في تعاون كتلتين مهمتين في منطقة تمر بمرحلة تاريخية بالغة الأهمية في تشكيل مستقبلها. ويؤكد عنوان اللقاء، بطريقة غير مباشرة، استفادة المنطقة من تجاربها وتجاوزها مرحلة "الشعارات" التي مرت بها لعشرات السنين دون أن تحقق لشعوبها ثمرات التعاون وحسن الحوار و"وحدة المصير".
ولا بد من الإشارة، بصورة واضحة إلى أن العلاقات التركية الخليجية لا تبدأ من الصفر ولا تنطلق من فراغ، فهي علاقة متجذرة ممتدة في أعماق التاريخ وإن تعرضت في بعض المحطات إلى ما يكدرها أو يسعى إلى تشويه صورتها الجميلة تحت ذرائع وحجج لا تخدم شعوبها، لكنها ظلت حية متصلة تفرضها عوامل التاريخ والمصالح رغم جهود مدرسة "سلخ" تركيا من جلدها الشرقي وإلحاقها بالغرب.. وفي بداية الثمانينيات من القرن الماضي تجددت حيوية العلاقة الخليجية التركية نتيجة للسياسات التي تبناها رئيس الوزراء تورقوت أوزال الذي أحيا علاقات تركيا مع جذورها وبدأت مشاريع تبادل المصالح والمنافع بين المنطقتين.
والحوار الاستراتيجي الذي يواصل نشاطه في هذه المرحلة؛ بدأ بصورة عملية حين وقع الطرفان مذكرة التفاهم في الاجتماع الوزاري بجدة عام 2008 لتبدأ مرحلة جديدة.. وخلال السنوات الماضية تباطأت خطواته وتراجعت أخباره من الواجهة. وتسربت معلومات أو "إشاعات" تتحدث عن أسباب هذا التباطؤ وأن مرده إلى تدخل قوى دولية لا تريد قيام أي تنسيق في الإقليم قبل "حلحلة" بعض القضايا العالقة. ومما قيل حينها أن الولايات المتحدة الأميركية غير راضية عن التحرك التركي على الجبهة الفلسطينية وموقفها من عملية السلام وانسياق رئيس الوزراء طيب إردوغان وراء "الصوت الشعبي" في المنطقة إلى جانب موقف تركيا من إيران وعدم تطابق موقفها مع الموقف الغربي.. وأن هذه الأسباب كانت إحدى المؤثرات على الموقف الخليجي من تركيا.. وبغض النظر عن صحة هذه "التحليلات" أو "المعلومات" فالمتابع يرصد "فتورا" شاب لقاءات هذا الحوار في الفترة الماضية وأن عودته الآن تدل على "قناعة" أطرافه بأهميته في هذه المرحلة التي تدخل فيها المنطقة العربية منعطفا جديدا مع تسارع رياح "الربيع العربي" وما أحدثته من تغيرات جوهرية على بعض الأنظمة الحاكمة وما قد تتركه من نتائج تتسع دائرتها، ولا أحد يستطيع الجزم بمعرفة حدودها ورسم خريطة تأثير تياراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولا شك في أن التفاهم التركي الخليجي له ثقله وتأثيره المباشر على "مشاريع" التجاذبات في المنطقة كلها. فتركيا دولة لها وزنها العسكري والاقتصادي والجيوسياسي واستطاعت – خلال السنوات الماضية – أن تحقق صعوداً متنامياً على الصعيد السياسي والاقتصادي وأصبحت لاعباً رئيسياً في المنطقة، ولا يمكن إكمال أي ترتيبات إقليمية بمعزل عن مشاركتها وتقدير دورها. ودول مجلس التعاون تشكل – في مجملها – ثقلاً اقتصادياً ومالياً بالغ الأهمية، تشكل الطاقة محوره، ولا يمكن أن تتم ترتيبات إقليمية أمنية أو اقتصادية أو استثمارية دون أن يكون لها فيه النصيب الكبير.. وإلى جانب هذه العوامل الاقتصادية والمالية فإن "طبيعة" التجانس في منطقة مجلس التعاون توفر لدوله عوامل الاستقرار اللازم لأي تعاون تنموي يهدف إلى رخاء الرخاء وتحسين مستوى حياة الناس، إلى جانب أن تركيا، بصعودها السياسي والاقتصادي، تقودها حكومة تتمتع بقبول كل الأطراف الإقليمية، فهي لديها علاقات معقولة مع إيران ولم تصل علاقتها مع إسرائيل حد القطيعة رغم توترها، المعلن على الأقل، كما لها علاقات مميزة مع القوى السياسية الصاعدة في بلدان الربيع العربي، وهذا يعطيها القدرة على التحرك ويزيد من فعاليتها في لعب أدوار فاعلة.
وهذا الحوار– إذا واصل تنمية قنواته وتفعيل مميزات دوله – مؤهل لأن يقود تيار الاعتدال في المنطقة، فجميع أطرافه تقوم سياساتها على ترسيخ مفهوم الاستقرار وتشجيع التنمية وليست لديها "مشاريع" سياسية للتصدير كما هي عند إيران، وتقف ضد سياسة الاحتلال والاستيلاء على الأراضي كما هي لدى إسرائيل. وهو حوار لن يستطيع أن يبلغ مداه ويترك آثاره العميقة في بيئات دوله إذا ظل محصوراً في الدوائر الرسمية ولم يخرج إلى "الساحات الشعبية" حيث مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص ومؤسسات التعليم والقنوات الثقافية، فهذه "الساحات" هي التي تستطيع تحريك المنافع والمصالح بين الشعوب وفتح أبواب التعارف والتعرف على مواطن القوة ونقاط الضعف، فتدعم الأولى وتقوي الثانية.
الحوار الخليجي التركي، إذا نجح، سيقدم النموذج العملي على فائدة التعاون المبني على المصالح وليس الشعارات وستتجاوز منافعه وآثاره الإيجابية، الدول الداخلة فيه وستمتد حتى إلى الدول التي ترى فيه الآن "قوة مضادة". فنجاحه وتحقيق أهدافه التنموية سيخفف "التوتر" في المنطقة وسيخلق "توازناً" في القوى، الأمر الذي يصب في مصلحة الدول التي تحركها أطماعها وطموحها إلى التمدد وزيادة نفوذها.
سيدفع هذا "التعاون" هذه الدول إلى انتهاج سياسة واقعية تعيد معها حساباتها، وهذا فيه فائدة الاستقرار وتقليل تأثير سياسة المحاور والانحيازات التي توجدها أطماع بعض الدول.