ما زالت نهاية قصة قصيرة لكاتب مصري (? أتذكر اسمه حاليا) عالقة في ذهني حتى ا?ن على الرغم من مرور حوالي 15 عاما على قراءتي لها في إحدى المجلات الثقافية، حيث تنتهي خدعة المتسول بسقوط مجسم بلاستيكي يمثل أمعاء البطن على الأرض، بعد أن كان يوهم المارة أنها أمعاؤه الحقيقية قد خرجت خارج جسده بفعل مرض ما، من أجل استدرار عطفهم، وهو ما نجح فيه خلال يوم كامل قضاه أمام إحدى المصالح الحكومية، فقد جلب الكثير من المال بسبب تلك الخدعة البسيطة والفاعلة في الوقت نفسه. أما مناسبة استذكار هذا الحدث القصصي المثير فهو قربه إلى حد كبير من ممارسات بعض من يحاولون إثارة الزوابع في المشهد الثقافي والاجتماعي المحلي، من خلال إثارة قضايا هامشية أقرب إلى أحاديث ووشايات المجالس، ثم إخراجها من إطارها البسيط إلى إطار الفكر والثقافة من خلال تحميلها أبعادا ثقافية وفكرية لا علاقة لها بها، وجر المجتمع إلى صراعات وهمية، يتم خلالها تقسيمه إلى فئات وأصناف "صالحة" وأخرى "طالحة". وبالطبع فالصلاح هنا و"الطلاح" يتم وفق رؤية ضيقة لا تتعدى الشكل الخارجي في كثير من الأحيان، مما أحدث خللا ثقافيا واجتماعيا نتيجة لسيادة تلك الطروحات السطحية "القشورية"، خصوصا بعد دخول من لا علاقة له لا بالقلم ولا بالرأي إلى الساحة وامتشاق ظهر القضية المثارة، للحصول على أي ضوء إعلامي أو صيت اجتماعي، حتى وإن كان هذا الضوء أشبه بشمعة في صحراء..! وذلك من خلال تجميع "سوالف" المجالس والديوانيات وجعلها مصادر الحكم القطعي على فلان وعلان.

ومن أطرف من قرأت في هذا الإطار كتابة أحدهم ما وصفه بـ"مقال" عن مفهوم الليبرالية، لم يستطع أن يقول فيه جملة واحدة تحلل ذلك الاتجاه الفكري، فلجأ إلى قاموس شتائم من باب (ماجنة، زندقة، ماسونية...إلخ)، وكأن الأمر مجرد مشاركة في "الهوشة" واقتناص فرصة للحضور دون وعي بماهية القضية.

هذه الأساليب التي بدأت تطغى على المنشور الإعلامي، وخصوصا الإلكتروني منه، أشبه بحال بطل القصة السابق ذكره، فهو إضافة إلى اتخاذه التسول أسلوب حياة، مارس التزوير بشكل محترف، ومع ذلك انكشف هذا التزوير بسقوط الأمعاء البلاستيكية وانكشاف المستور (المجوف).