من المهم أن يعلم مجتمعنا الطيب أن إشكالاتهم الحالية والتي ستأتي مستقبلا ليست بسبب خصوصيتهم التي يتبنونها جملة وتفصيلا، ولكن لممارستهم تعظيم الذات وجلدها على حد سواء، بحيث تبدو مسميات مثل الفساد والأخلاق تثير حفيظة ثقافة الخصوصية والتعتيم التي لا زالت مؤمنة بصلاح المجتمع على إطلاقه، لذا فإن تصحيح هذا المفهوم لا أحسبه يعزينا بقدر ما يرسم صورة أشد قتامة فيضع الأمور في نصاب صحيح، وينفي خصوصية خرافة مجتمع صالح حتى العظم، مما يعطينا الفرصة للاعتبار بالمجتمعات التي سبقتنا في المرور بهذا المنحدر وإيجاد العظة من تجربتها.

حسب تقرير "منظمة الشفافية الدولية" يغطي الفساد العالم كله، ولكن بدرجات متفاوتة. فلا دولة في العالم تخلو من الفساد ولكن يبقى الكشف عن الفساد والمفسدين، وفضح عملياتهم، وليس التكتم عليها وإبقائها في حالة كمون هو ما يشكل خطرا على سلام أي مجتمع وأمانه.

الشاهد هنا أننا قد استبشرنا خيرا بعد أن أعلنت هيئة مكافحة الفساد عن رقم التبليغ عن قضايا وممارسات فساد، وهي خطوة موفقة، خاصة وأن الجميع ينتظر بكثير من الأمل دور هيئة مكافحة الفساد في التدخل الحقيقي والفعلي في كل قضايا الفساد.

الفساد داء مدمر للمجتمعات، ولذلك فإن من الضروري أن يرتفع مستوى تواصل هيئة مكافحة الفساد، وألا نرى في المستقبل بطء إجراءاتها واختلال توزيعها؛ بحيث نكون أمام هيئة لها وقعها ويكون هدفها هو أن تراقب، وتحاسب، وتعاقب.

بقي أن نشير إلى أن الفساد هو أمر أخلاقي في الأساس وليس اقتصادي. بمعنى أن الفساد منشأه أخلاقي، وآمل أن الفساد الذي ستكافحه الهيئة ألا يكون بمعناه الشكلي والإداري التقليدي، وإنما بمعناه الذي اصطلح عليه الناس مؤخراً وهو إساءة استخدام النفوذ أو المال العام وغير ذلك من أشكال الفساد الأخلاقي والإنساني.

حري بنا كمجتمع نعتقد في أنفسنا الصلاح أن نرتفع بقدرتنا على التصالح مع واقعنا والنهوض به، ومنه أن نمارس نقد الذات على أسس موضوعية، فهذا يعني أن نتوقف عن تضخيم خصوصيتنا، وكوننا المجتمع الصالح الوحيد على الكرة الأرضية، ذات الأمر ينطبق على التفاخر والتباهي كوننا مسلمين والتي تعني مرادفا للكائن الملائكي الذي لا يخطئ أبدا, وهو ما نأمل أن تتنبه له هيئة مكافحة الفساد بجانب مطالبتنا لها بآلية تطبيق لا تكتفي بأن ترسل لها التبليغات بل أن تنزل بكل ثقلها ومراقبيها إلى أرض الشارع والواقع لترى الفساد كما هو عليه. لربما تحدث المعجزة التي نؤملها.