لسنا بحاجة إلى دراسات معمقة للتأكد من أن مبلغ خمسمئة ألف ريال، عبارة عن دعم لتأمين المسكن، وليس تأمينا كاملا، وبخاصة في المدن الكبرى التي تشهد فيها أسعار الأراضي وتكاليف البناء ارتفاعا محموما ومطردا، حيث يمكن لذلك المبلغ أن يوفر الأرض فقط، أو الأرض وجزءا يسيرا من تكاليف البناء.
تتسع الفجوة إذن بين الإمكانات المالية للمواطنين وبين القدرة على تملك وحدات سكنية. ورغم زيادة دخل الفرد في المملكة العربية السعودية في العامين الماضيين إلا أنها زيادة لا تصل إلى القدرة على مواكبة واقع الأسعار في السوق العقاري. هذا ما يؤدي ـ بحسب خبراء اقتصاديين ـ إلى تزايد الإنفاق بشكل سلبي، إذ يمكن لكثير من السعوديين الآن شراء سيارات والسفر للخارج والتسوق باستمرار، وكلها من أوجه الإنفاق الذي لا عائد له، وفي الوقت الذي يتزايد فيه هذا النوع من الإنفاق تتراجع الآمال في القدرة على امتلاك مسكن.
ويكفى أن نشير، وبكثير من الهلع، إلى النسبة العالية من السعوديين الذين لا يمتلكون وحدات سكنية، وهي نسبة قابلة للارتفاع مع مرور السنوات، مما يعني صواب التوجه القائم الآن نحو تدخل الدولة للإسهام في حل هذه الأزمة. نحن بحاجة الآن إلى رافد آخر وسريع يسد تلك الفجوة القائمة بين مبلغ الإقراض وبين أسعار المساكن، ليأتي الدور الحقيقي والتنموي للبنوك في خدمة هذا القطاع.
لقد ظلت البنوك السعودية، ورغم قلة أعدادها مقارنة بالواقع الاقتصادي السعودي، ظلت تقدم دورا سلبيا من خلال اعتمادها على عمليات الإقراض السريعة، وذات المردود الربحي المضمون، وظلت تتغذى كثيرا على أنظمة التمويل وبأشكال مجحفة أحيانا وبإغراءات تبدأ من تمويل السيارات ولا تنتهي عند بطاقات الائتمان. وحتى حين دخلت البنوك في قطاع الإعمار فقد اقتصر دورها غالبا على المشروعات التجارية، وبناء الأبراج والشراكة في الاستثمارات العقارية، بعيدا عن الدور الفعلي الذي يمثل فيه البنك رافدا اقتصاديا مهما وحيويا في توفير أبرز وأهم عوامل الاستقرار، وهو المسكن.
واقع الإقراض الحالي بالنسبة للبنوك السعودية في قطاع السكن يتم عن طريق التمويل، إذ توجه برامج التمويل البنكية بعض منتجاتها لتمويل شراء مسكن، بمعنى أنه ليس شراكة حقيقية في عملية التملك، وإنما برنامج تمويلي موجه للمساكن، لا يختلف عن الموجه لشراء السيارات، وبشروط ونسب ربحية عالية ومجحفة أحيانا.
إن العشرين سنة أو أكثر، كمدة للتقسيط العقاري، ليست منهكة فحسب، لكنها تمثل نوعا من استلاب العمر وتحجيم الهدف في حياة الفرد، الذي سيجد أنه صرف كل هذه السنوات من عمره فقط للحصول على مسكن، وهو ما أدى، بحسب عقاريين، إلى تراجع في الإقبال على هذا النوع من التقسيط رغم الحاجة. الآن نحن أمام باب جديد يمكن فيه للبنوك أن تغير واقعها، وأن تخرج من فكرة المؤسسة الربحية الفجة والجشعة إلى أن يكون البنك مؤسسة تنموية، وشريكة في عملية التنمية، وهو ما يطرحه التوجه الأخير لإدخال البنوك بقوة في معادلة الإسكان.
الآن لدينا، وأكثر من أي وقت، ما يعين البنوك على القيام بهذا الدور فعلا، فقد شهدت كتابات العدل تصاعدا ملحوظا وإيجابيا في أدائها، وشهدت من التطور ما يساعد على تحقيق واقع تكاملي مع أكثر من جهة. أيضا أصبح للإسكان وزارة تحظى بدعم قيادي واسع، وتستطيع اقتراح الكثير من الأنظمة التي تعين على تحفيز المؤسسات البنكية على أن تتخلى عن تاريخها السلبي، وأن تتجه لواقع شراكة حقيقي.
إنه من غير المناسب على الإطلاق أن يظل السكن أزمة في الواقع السعودي. الآن لدينا حزمة من الحلول، ولدينا الكثير من الإمكانات التي ستعين على تجاوز هذه الأزمة.