الكتابة ليست جملة شاردة ينثرها صاحبها في ثنايا المقال من أجل مزيد من الانتشار والشعبوية. الكتابة موقف، ومن كان يكتب من أجل تصفيق الجمهور فليذهب إلى فرقة مسرحية ليحني ظهره – احتراماً – عند دخوله الخشبة. الكتابة عمل مختلف عن السائد المألوف، والكتابة هي أن تأخذ القارئ إلى أقصى نقطة ممكنة للاختلاف الجذري مع ما تكتب، وكل ما عدا ذلك ليس إلا نظما (لما يطلبه المشاهدون). وإذا ما كان الكاتب يكتب لمجرد تأكيد ما هو بدهي تلقائي فإنما يعيد عليك اجترار قناعاتك السابقة. الكاتب الحقيقي هو من يدعوك إلى إعادة قراءة قناعاتك الشخصية المسبقة. والكاتب الحق هو من يشعرك بالاهتزاز واختلال التوازن أمام الفكرة. الكاتب الحقيقي هو من يتصادم معك، لا من يقف معك في تكرار ما تعرفه أنت وفي تأييد وتمجيد ما تؤمن به. إذا اتفق سواد الجمهور وأغلبيته مع الكاتب ومع الفكرة فلك أن تدرك أنه لا يأتي بجديد، وإنما هو يعيد إليك ذات – مقادير – الفكرة التي تعرفها من قبل أن تقرأ له. كل ما يفعله مثل هؤلاء الكتاب ليس إلا طريقة طبخ جديدة ولكن بذات المقادير لذات الفكرة أو الطبخة السابقة. الكتابة الحقيقية هي أن تتفق معك أقلية الأقلية وتختلف معك أكثرية الأكثرية. الكتابة مثل الدواء المر الذي تبلعه حبة واحدة في اليوم لا مثل صحون الطعام المتناثرة التي تشعر معها بالروتين والنمطية.

الكتابة رسالة لإعادة فحص ونقد المفاهيم وإعادة ترتيب السائد المطبوع. والكتابة هي تسليط الضوء على الزاوية العليا البعيدة المعتمة، لا إعادة تكثيف الأضواء على كل ما كان مضاء من قبل وبالأنوار الصارخة الكاشفة. الكاتب الحقيقي هو من يقف في مواجهة الصفوف ومقبلاً نحوها بوجهه، لا من يكتب من بين الصفوف ثم يثير فيها جملة كي يحملوه فوق الأعناق حينما يتعب من ترديد ذات الجملة. ومرة سابعة، الكاتب هو من يجبرك أن تختلف معه، لا من يدعوك تلقائياً للاتفاق معه. الكتابة شعلة من النقاش والجدل، وإذا دعاك الكاتب للجدال مع ما تؤمن به من قبل فاعلم أنه إنما يصنع منك نسخة من زهرة – دوار الشمس – التي تمضي كل أيام العام في دورة هندسية وحيدة ونمطية متكررة. الكتابة ليست جملة شاردة من أجل هتاف الحناجر وحمل صاحب القلم فوق الأعناق. الكاتب الحق هو من "يصفعه" الجمهور لا من يصفق له، وأنا أتحمل مسؤولية هذه الكلمة. الكتابة هي الاستقلال عندما يكون الكاتب فكرة مستقلة.