كيف تستطيع مساحات محدودة في صحيفة يومية أن تحتفي بإنجازات ثقافية وفكرية هائلة على مدار ست سنوات، قاد خلالها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بلاده إلى آفاق أرحب من التقدم والازدهار على كافة المستويات؟!.
بالتأكيد تستعصي مثل هذه المساحات على الاستيعاب، ولكن بمقدورها أن تستضيء بإطلالات هذه المنجزات ونحن نقف على الذكرى السادسة لتولي خادم الحرمين مقاليد الحكم في المملكة.. نعم هي ست سنوات من النور تضيء قلب الإنسانية!.
مبادرة عالمية
ولعل مبادرة خادم الحرمين الشريفين للحوار بين الأديان السماوية الثلاثة (الإسلام، والمسيحية، واليهودية) التي أطلقها في 24/ 3/ 2008، هي أول ما يتبادر للذهن؛ إذ تمثل - فضلاً عن عالميتها - جوهر خادم الحرمين حينما يضع الإنسان في مقام اهتمامه الأول!.
العالم كله استمع إليه وهو يقول في منتدى حوار الحضارات بين العالم الإسلامي واليابان الذي عقد بالرياض في الفترة من 23 إلى 25 مارس 2008: "قد سنحت لي هذه الفرصة لأطلعكم على ما يجول في خاطري، وأرجو منكم أن تصغوا لهذه الكلمات القصيرة لأقتبس منكم المشورة. فأنا أتأمل منذ سنتين الأزمة التي تعيشها البشرية جمعاء في وقتنا الحاضر، أزمة أخلت بموازين العقل والأخلاق وجوهر الإنسانية، فقد افتقدنا الصدق، افتقدنا الأخلاق، افتقدنا الوفاء، افتقدنا الإخلاص لأدياننا وللإنسانية، كما أن الإلحاد بالرب عز وجل قد كثر وتفشى وهو أمر لا تجيزه الأديان السماوية، لا يجيزه القرآن، ولا التوراة، ولا الإنجيل، كذلك لمست من أصدقائنا في كثير من الدول أن الأسرة و(الأسرية) تفككت في أيامنا هذه. والأسرية أنتم أعلم بأهمية وخطر تفككها، فأعز ما عند الإنسان هم أبناؤه، فكيف إذا انصرف الشاب أو الشابة عن أبيه وأمه وانغمس في مسائل لا تتقبلها الأخلاق ولا العقيدة، ولا يرضاها قبل ذلك كله الرب عز وجل".
وأضاف: "وتبلور في ذهني أن أطلب من ممثلي أتباع الأديان السماوية الاجتماع كإخوة يشتركون في إيمانهم وإخلاصهم لكل الأديان، وتوجههم إلى رب واحد للنظر في إنقاذ البشرية مما هي فيه. وعرضت الأمر على علمائنا في المملكة العربية السعودية؛ ورحبوا به ولله الحمد". وتجسدت دعوة خادم الحرمين النبيلة في المؤتمر العالمي للحوار الذي عقد في العاصمة الإسبانية مدريد خلال شهر يوليو 2008. وتوجت جهوده في التأسيس لحوار عالمي بين أتباع الديانات والحضارات والثقافات بعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة اجتماعاً عالي المستوى للحوار بين أتباع الديانات في الفترة من 12 إلى 13 من نوفمبر 2008 بناء على دعوة خادم الحرمين الشريفين للجمعية، وفقاً لما تضمنه إعلان مدريد الصادر عن المؤتمر العالمي للحوار بين أتباع الرسالات الإلهية والثقافات الذي نظمته رابطة العالم الإسلامي في مدريد خلال المدة من 16 إلى 18 يوليو 2008م بدعوة ورعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين. وهو الأمر الذي أكده خادم الحرمين الشريفين في عام 2007 إبان زيارته لبابا الفاتيكان بينديكت السادس عشر في مقر البابوية في روما حين قال: "إن التمسك بالقيم المشتركة يجسد الخير والوفاق الاجتماعي للإنسانية".
هكذا تضع السعودية بقيادة خادم الحرمين العالم كله أمام مسؤولية كبرى، مسؤولية الرقي بالإنسان والتعايش السلمي بين البشر، وهو أسمى هدف في زمن تفشت فيه الحروب والاضطهادات بكل أشكالها العنصرية والدينية والمذهبية، وأصبح العالم كله على بعد خطوة واحدة من الهلاك.
تواصل حضاري
وإذا كانت مبادرة الحوار بين الأديان وضعت الإنسان في مقامها الأول من حيث ضرورة التعايش السلمي بين البشر، وإعادة المنظومة الأخلاقية الغائبة إلى حيز الوجود من جديد، فإن "جائزة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمية للترجمة" التي صدرت موافقة مجلس إدارة مكتبة الملك عبدالعزيز العامة على إنشائها في التاسع من شوال عام 1427، تؤكد نفس المسار ونفس النهج الذي يضع النهوض بالإنسان في المقام الأول؛ إذ تهدف هذه الجائزة العالمية إلى الإسهام في نقل المعرفة من اللغات الأخرى إلى العربية ومن العربية إلى اللغات الأخرى، والنهوض بمستوى الترجمة وفق أسس مبنية على الأصالة والقيمة العلمية وجودة النص، لتحدث هذه الجائزة انفتاحاً عظيماً لمثقفينا وأدبائنا على المنتج الأدبي والعلمي الغربي، تماماً مثلما تحقق هذا الانفتاح للمثقف والأديب الغربي على حضارتنا العربية.
أنشطة دولية
هي قيمة كبرى – تنالها - الثقافة السعودية والعربية بشكل عام حينما يتبنى خادم الحرمين الشريفين مثل هذه المشاريع العظيمة. ولعل رعايته لمعرض الرياض الدولي للكتاب تؤكد هذه القيمة، إذ يعد من أفضل المعارض العربية بشهادة الناشرين من حيث الإقبال وحركة البيع، وهو تماماً ما أكده وزير الثقافة والإعلام عبدالعزيز بن محيي الدين خوجة بقوله إبان افتتاح المعرض السابق: إن معرض الرياض الدولي للكتاب يعتبر حالة فريدة من التسوق، وإن المواطن السعودي من أكثر مرتادي المعارض الدولية للكتب، ويعرف الناشرون هذه الرغبة فيه، وانعكس ذلك على الكتاب والكاتب السعودي.
نهضة ثقافية وفكرية وتعليمية تشهدها المملكة على مدى ست سنوات من حكم خادم الحرمين الشريفين، لا يمكن حصرها في مبادرة عالمية للحوار، أو جائزة عالمية للترجمة أو معرض دولي للكتاب، أو مؤتمرات دولية لنبذ الإرهاب، أو جلسات للحوار الوطني الداخلي جعلت الشعب السعودي كله لحمة واحدة لا تطالها العصبيات القبلية ولا المذهبية، أو تدعيم حقيقي للثقافة والأدب عبر دعم الأندية الأدبية والثقافية بعشرة ملايين ريال لكل نادٍ، أو حرية يتمتع بها الإنسان السعودي في التعبير عن آرائه عبر وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة، أو بعثات طلابية ستجني المملكة ثمارها تقدماً وازدهاراً علمياً وتكنولوجياً في المستقبل القريب، تلك النهضة وإن جعلت المملكة في مصاف الدول الراقية فكرياً وثقافياً، فإنها تضع الملك عبدالله دائماً في قلوب الناس!.