من أكثر معاني الغزل الروحي وضوحا، أنْ تكون القصيدة موجهة إلى الزوجة، حيث تختفي الصور الحسية اختفاء كاملا، وتصبح القصيدة شكلا من أشكال الوفاء الممزوج بالحب.

والشعراء الذين قصدوا زوجاتهم بقصائدهم يعمدون إلى تصديرها بما يدل على أنها موجهة إليهن، وإن لم يكن، فإن عنوانات القصائد تحمل هذه الدلالة، مما يعني حرص هؤلاء الشعراء على إظهار ذلك، لأن حضور الزوجات أقل بكثير من حضور المحبوبات، وربما عاد ذلك إلى كون القرب، وانعدام المغامرة، يلغيان حرارة التجربة الوجدانية التي يبتغيها الشعراء، لتكون باعثا على القول.

إن حضور الزوجات، عند نفر من الشعراء، ومنهم بعض التقليديين؛ يعني تحولا ما في الرؤية، وهو حضور ملحوظ بشكل واضح عند القلة من الشعراء السعوديين، كمحمد جبر الحربي، وإن لم يتجاوز حضورهن ـ عند الكثيرين ـ إهداءَ الدواوين.

حضور الزوجة وعي جديد، لأن السائد هو غياب الزوجات عن القصيدة، فحضورهن لم يكن يتجاوز تصوير المرأة اللوامة على قلة ذات اليد، حتى سلم البعض بهذا الغياب، وذهبوا إلى تعليله، بإيجاد تفسيرات نفسية واجتماعية. يقول أحمد فارس الشدياق: "الإنسان كما قالت الفارياقية مجبول على السآمة والملل. متى ظفر بالغرض استحوذ عليه الغرض. وما دام الرجل المتزوج يسمع من زوجته هات واشتر وجدد وأصلح، ود لو أنه يكون عزبا ولو راهبا، فإذا تغرب عنها ورأى الرجال يمشون مع النساء سواء كن حليلات أو خليلات أنف من الصومعة. وهاج به الشوق إلى أن يكون له امرأة يماشيها مثل أولئك وإن كان مشيهم وقتئذ للتحاكم والتخاصم لدى جناب القاضي"، وهو ما حاول الدكتور خالد الحليبي إيضاحه حين قال: "ولعل السبب في قلة قصائد الشعراء في زوجاتهم قربهم منهن، وتعودهم على الحياة معهن، وعدم وجود المثير الكافي للتجربة الشعورية في الغزل؛ التي تتطلب عادة: المفاجأة بروعة الجمال، أو الدهشة من حركة لافتة، أو الحرمان من الاستقرار العاطفي، أو الظمأ الحارق للقاء، وكل ذلك لا يتأتى من الزوجة التي يراها الزوج في كل لحظة من حياته".

ومهما يكن من أمر، فإن حضور الزوجات قليل عند مقارنته بحضور المحبوبات، بيد أن هذا الحضور – على قلته – يعني أن بعض الشعراء قد استطاعوا تجاوز عقدة الثقافة التي لا ترى محاسن الزوجة، وصفاتها النبيلة، وغير خاف أن بعض الشعراء لا يصرح بأن قصيدته في زوجته، وليس الكشف عن ذلك أمرا هينا، إذا لم يعمد الشاعر إلى التصريح به في صدر القصيدة، أو عنوانها، أو ضمن أبياتها، مما يعني أنه يمكن إدراج بعض قصائد الغزل المعنوي ضمن القصائد التي قيلت في الزوجات، وذلك بالاعتماد على سيرة الشاعر.