رفع نبي الله نوح يديه داعيا يائسا من قومه فلبى الله دعوته وانتصر لنبيه المغلوب بعد مئتي عام من الاستجابة له. أمر الله نوحا بأن يغرس شجرا ليستخدمه في صناعة سفينة النجاة ففعل وانتظره مائة عام ثم قام بنجارته مائة عام أخرى. هذه المئتي عام لم تكن ليراجع الكافرون من قوم نوح أنفسهم حيث إن الله سبحانه أنذره بعد أن استجاب له بألا يراجعه فيهم عند اقتراب الطوفان وأن عليه الانتهاء من بناء السفينة وانتظار الرعد. لم ينزل الله طوفانه حال استجابته للدعوة وهو القادر على ذلك والقادر على النجاة بنبيه ومن آمن معه. لم ينزل عذابه لحكمة مفادها بأن خطط الكوارث توضع قبل حلولها بمئتي عام وأنه حال سماع الرعد فاعلم أن الأوان قد فات لبناء السفينة.
استعراض ملف المملكة العربية السعودية في قاعدة بيانات الكوارث العالمية يثير العديد من التساؤلات حيث احتلت الفيضانات المرتبة الأولى في فئة الكوارث الطبيعية والحرائق في فئة الكوارث من صنع الإنسان. الكوارث المصنفة في قاعدة البيانات هذه لا بد من أن تستوفي شرط وفاة 10 أشخاص على الأقل حتى يتم إدراجها، أي إنها تستعرض قمة الجبل الكوارثي. ونظرا لعدم وجود قاعدة بيانات محلية للكوارث فلا نستطيع سوى تخيل قاعدة هذا الجبل لم تكف كحافز لإنشاء خطة كوارث وطنية حتى الآن ومازلنا في العموم نعيش المئتي عام ولكن بلا شجر يغرس ولا خشب لينجر.
لا يخفى على عاقل ثقل المملكة العربية السعودية في المنطقة فهي بين مطرقة الطبيعة وسندان السياسة وعدم وجود خطة كوارث وطنية هو تواكل أثبت قصوره على مر السنوات في مواجهة الكوارث التي مرت بها المملكة بشتى أنواعها من فيضانات وحرائق وغيرها. عدم وجود هذه الخطة أوجد هاجسا لدى كل مواطن حتى أصبح الفزع عنوانا لكل إطلالة سحابة أو رائحة دخان ولو أنها وجدت لأصبح هاجسه معرفتها والتدرب عليها هو وأبناؤه وموظفوه وطلبته وعمالته وحتى حيواناته الأليفة لعلمه بأن هذه الخطة ستكفل له بإذن الله النجاة أو التقليل من الأضرار في أسوأ حال.
مر عام كامل على الرفع بأعضاء اللجنة الوطنية للحد من الكوارث والجهات المشاركة فيها ولم تر النور حتى الآن ولم نسمع أيضا بنتائج دراسة تقييم مخاطر الكوارث بالمملكة التي قام بها المرفق العالمي للحد من الكوارث والتي أُعلن عن القيام بها منذ عام، هل نحن بانتظار كارثة أخرى ليتم رصد ميزانية استثنائية للقيام بما هو روتيني وإحدى المهام الأساسية للحماية المدنية؟
لخطط الكوارث والطوارئ ثلاث مراحل وهي على الترتيب: الاستعداد، الاستجابة وأخيرا إعادة التأهيل. ولا يمكن بأي حال من الأحوال البدء بالاستجابة كردة فعل عند حصول كارثة ولا يمكن تقييم أي خدمة أو قطاع شارك في الاستجابة ما لم يكن هناك خطة استعداد ليتم التقييم على أساسها وبالتالي معرفة مدى فاعليتها وجودتها فالقطاع الذي أمكنه إنقاذ 100 شخص سيكون بإمكانه إنقاذ أضعاف هذا الرقم متى ما التزم بخطة استعداد قصيرة وطويلة المدى. مرحلة الاستعداد التي تمثل الجزء الأكبر من أي خطة كوارث وطنية تبدأ بأهمية ضمان بنية تحتية فعالة للقيام ببقية المراحل إلى جانب التعليم والتدريب والتوعية بها، فما الفائدة من الإنذار المبكر لفيضان إن لم يكن هناك ملاجئ معروفة المواقع وما الفائدة من خطط إخلاء الحريق لمخارج موصدة بالأقفال؟!
الجهود الحالية مبعثرة والأدوار ضبابية ومتداخلة حتى إن المواطن لا يعلم ما الجهة المسؤولة عن حصول الكارثة، فأمامه قائمة طويلة من الأرقام التي لا بد أن يمر عليها واحدا تلو الآخر حتى يصل للرقم المطلوب فعند حصول كارثة انقلاب لحافلة نقل معلمات محترقة، عليه أن يتصل بخمسة أرقام مختلفة بدءا بالهلال الأحمر مرورا بالدفاع المدني والمرور وأمن الطرق وانتهاء بالشرطة وهنا تتبين أهمية وجود خطة كوارث وطنية لعلها تساهم في إيجاد خط موحد لبلاغات الكوارث كرقم الطوارئ الأميركي الموحد 911 والذي بدأ العمل به منذ عام 1980م.
من المفارقات أن دول العالم الأول قد استخدمت قصة نوح في عدة حملات سياسية كشاهد على أهمية وجود وتبني خطط كوارث وطنية وتستخدم حاليا في دورات التدريب لعلم إدارة الكوارث كدراسة تاريخية مقارنة وتدرس للطلبة كقصة على أهمية اتباع خطة الطوارئ للمدرسة بينما ما زالت لدينا حبيسة كتب وبحوث علوم شرعية أو برنامج تلفزيوني رمضاني.