بعد استعراضنا الأسبوع الماضي لمفهوم النظام المعرفي يمكن لنا الآن التعامل مع النشاط العلمي في الثقافة العربية بوصفه نظام فكر مستقلا وسط أنظمة أخرى. وكما يرى فوكو فإن نظاما واحدا هو المسيطر غالبا إلا أن هذا لا يعني أنه هو الوحيد. وكما يتضح من تحليلات الجابري فإن الأنظمة الثلاثة في الثقافة العربية (البيان، العرفان، البرهان) وإن تجاورت في لحظة التأسيس إلا أنها لم تكن على مستوى واحد من حيث سلطتها المعرفية، فالخطاب البرهاني، العلمي كان أقل هذه الخطابات حظا في التأثير بل إنه واجه منذ البداية صعوبات جمة من أجل دخوله في نسق المعرفة العربية وتجربة الكندي أكبر شاهد على هذه القضية. ولكن لماذا؟ أي ما هو سبب إخفاق العلم كنظام فكر في مهمته من أجل تشكيل وعي عام يجعل من الفرد يفكر في نفسه وما حوله من أشياء وقضايا بمنطق العلم أي "العقلانية" كما وردت أعلاه؟
يمكن تحديد عدة أسباب تدخل جميعها تحت مظلة صراع الأنظمة المعرفية. من أهمها أن العرب اتصلوا بالفلسفة في إطار القرون الوسطى وفي طابعها المدرسي (السكولائي) وهي اللحظة التي انطفأت فيها جذوة التفلسف الحقيقي وتحولت إلى عملية مدرسية غير مشغولة بأسئلة حقيقية عن الإنسان والواقع والحياة. وهذا ما نعثر عليه بوضوح عند الكندي، إنه غياب السؤال الفلسفي الحقيقي وغياب قضية الإنسان والواقع الذي يعيشه. أيضا كان دخول الفلسفة بطلب رسمي ورعاية الدول جعلها مرهونة بإرادة وتقلبات هذه الدول، وهذا ما جرى للفلسفة العقلانية والكلام العقلاني حيث تمت تصفيته مع تحول أيديولوجية الدول عنه وتخليها عن دعمه. كانت الثقافة التقليدية العربية تحرك الأمور بقدرة وتمكن. استطاعت الأفكار الغنوصية والباطنية أن تثبت أقدامها باعتبار أن عددا كبيرا من أتباعها الأصليين دخلوا الإسلام وباعتبار أن هذه الأفكار يمكن أن تلبس لبوسا دينيا مقنعا، أما الفلسفة العقلانية فكانت ظروفها أسوأ بكثير فقد وصلت مشوهة وتحت سلطة مشددة وفي لباس مدرسي وداخل ثقافة مفعمة بمشكلاتها الأصلية ولذا فشلت عملية دخولها وسننتظر حوالي ثلاثة قرون ليقوم ابن رشد بنفس المهمة التبريرية ولتفشل من جديد لننتظر بعد ذلك أكثر من ثمانية قرون ليعود التنويريون العرب في عصر النهضة للقيام بنفس المهمة، ولا تزال متعثرة حتى الآن.
في العصر الحديث لا تختلف الأمور كثيرا فلا تزال الأنظمة الأخرى، اللاعلمية، التقليدية البلاغية العربية تحكم سيطرتها على المجال المعرفي العربي بشكل كبير بأدوات الضغط والتشويه وكل هذا تم تفعيله بشكل مروّع من خلال إيديولوجيا فاعلة لديها عداوة واضحة مع المناهج العقلانية سواء كانت علمية أو فلسفية. ويمكن اليوم أن نورد بعض القضايا والحوادث التي يتمثل فيها هذا الصراع. قضية الأهلّة حيث يدور حولها صراع معرفي كبير بين طرفين، ويطالب أحدهما باستخدام الوسائل العلمية الحديثة أو الرياضية القديمة في تحديد دخول الشهر فيما يصر الطرف الآخر على الاستمرار حسب التوجيه الديني حسب فهمهم للنص.
الصراع بين الأنظمة المعرفية طبيعي في أي ثقافة وبحسب الطرف المنتصر تتحدد نوعية هذه الثقافة وسمتها العامة. في أوروبا النهضة والتنوير حدث هذا الصراع وتوافرت عدد من الظروف في نجاح النظام العقلاني في الحصول على المشروعية وتشكيل الواقع هناك. من هذه الظروف توفر تراكم معرفي ومدرسي للتيار العقلاني جعل من قدرته على التأثير تتزايد مع مرور الوقت. نمو تيارات سياسية واقتصادية وعت أن من صالحها الخاص تبني التوجهات العلمية الصاعدة. تحالفت هذه القوى في وجه الأنظمة المعرفية التقليدية، واستطاعت مع الوقت كسب الرهان.
لا يمكن التغاضي هنا عن أن كل نظام من الأنظمة المعرفية يقدم رؤية خاصة للإنسان والطبيعة والكون وأن هذه الرؤى قد تتعارض بشكل كبير. وكما ينقل الجابري عن كوسدورف فإن نظام كل معرفة يتحدد من خلال "التصور الذي تكونه لنفسها عن الله والإنسان والعالم وللعلاقة التي تقيمها بين هذه المستويات في نظام الواقع". (تكوين العقل العربي، ص18).
النظام المعرفي العلمي يثق بالعقل التجريبي ثقة كاملة لا على أنه يحمل الحقيقة المطلقة ولكن على أنه الأداة الوحيدة التي أثبتت نجاحها. ويعي هذا النظام قدرة الإنسان على المعرفة والكشف عن العلاقات والقوانين التي تحكم هذا العالم. يتوجه الفكر في هذا النظام إلى الطبيعة من أجل الحصول على المعرفة والإجابة على الأسئلة المقلقة. أما النظام المعرفي الديني فهو يعرف الحقيقة مسبقا أو يعلم أنها موجودة في نصوص ثابتة، إنها تلك المعرفة الإلهية التي يكمن دور العقل في محاولة التعرف عليها. كما أن الطبيعة تبقى فرصة يصل من خلالها إلى التعرف على الخالق فهي لا تتضمن داخلها المعرفة إنما هي طريق يسير عليها المؤمن ويتأملها من أجل التعرف على الخالق وتبقى مهمتها في هذه الحدود.
يحيلنا هذا المنظور، المنظور الإبيستمولوجي من واقعة صراع الأنظمة المعرفية إلى ضرورة البحث في طبيعة هذا الصراع على أرض الواقع. أي كيف تتم إدارة هذا الصراع وما هي موازين القوى فيه؟ كل هذا يحيلنا إلى السؤال الاجتماعي، أي إلى بحث العلم بوصفه قضية اجتماعية وهذا هو منظور المقال القادم.