لم يحدث أن لعبت الجغرافيا دورا مركزيا في صياغة تاريخ بلد، كما حدث في أرض الكنانة. فهذا الدور هو الذي صنع لمصر هويتها، منذ آلاف السنين، وهو الذي أسهم في استقبالها للفاتحين العرب، واعتناق أهلها للدين الحنيف، وانخراطهم في ركب الحضارة العربية الإسلامية. وأيضا، في السرعة القياسية لعملية التعريب. وكان أثر الموقع ووجود نهر النيل، الذي يشق مصر من الجنوب إلى الشمال، حيث يصب في البحر الأبيض المتوسط، مصدرا من مصادر عبقريتها وإبداعها. وقد جعلها ذلك، في موضع القلب النابض للأمة العربية جمعاء.

وقد كمن في الشعور الباطني للعرب، أن قوة مصر هي قوتهم، وضعفها تعني ضعفهم. كما سكن في يقين غالبيتهم، ما عبر عنه شاعر مصر الكبير، حافظ إبراهيم على لسان مصر: أنا إن قدر الإله مماتي، لن ترى الشرق يرفع الرأس بعدي... لذلك، لم يكن مستغربا، أن يثير ما يجري على أرض مصر، من أحداث عنف في الأيام الأخيرة، قلق العرب..

لقد خلق جغرافية مصر، نمطا خاصا وفريدا من البشر، هو نتيجة عبقرية المكان، بحسب توصيف المفكر الراحل، جمال حمدان. فالتضامن بين المصريين، الذي فرضته الحاجة لتنظيم توزيع مياه النيل بين القرى والأرياف المصرية. وكان ذلك هو مبرر قيام أقدم سلطة سياسية مركزية على وجه البسيطة.

لقد صاغت الجغرافيا العمق الاستراتيجي لهذا البلد الشقيق، ووجهته نحو الشرق. وحسمت بشكل سريع ونهائي، موقع أرض الكنانة في الخارطة السياسية، وفي الانتماء للإسلام دينا، والعروبة انتماء وطنيا. وقد أسهم ذلك في صيانة هويتها على الدوام، حتى أيامنا هذه.

لقد عبر المصريون عن تلاحمهم طيلة تاريخهم الطويل الحافل بالعطاء والإبداع. وحين حدث الغزو الكولونيالي الغربي لمصر، تصدى له المصريون بمختلف مكوناتهم. ويحتفظ التاريخ بتفاصيل حادثة دنشواي، حين حكم قضاة موالون للاحتلال الإنجليزي على فلاحين مسلمين من قرية دنشواي، في مركز شبين الكوم بالإعدام، في عام 1906. أثناءها ثأر شاب مسيحي للكرامة الوطنية. فقام باغتيال القاضي بطرس غالي، الذي تولى المحاكمة، وأصدر أحكاما بإعدام الفلاحين، منفذا حكم الشعب في رمز الخيانة، ومؤكدا إجماع المصريين على مقاومة الاحتلال. وأثناء تنفيذ حكم الإعدام بالبطل، دقت أجراس الكنائس وكبرت المآذن على السواء في وداع مهيب لشهيد مصر.

في مطالع العام الماضي، خرج شعب مصر، بكل مكونات نسيجه الوطني، في 25 يناير عام 2011، ليصنع تاريخا من نوع آخر. كان المشهد بميدان التحرير في قلب القاهرة، جليلا، تميز بطابعه السلمي، الذي أذهل بانضباطه وروعة أدائه العالم أجمع. تحول مصر إلى كرنفال فرح وموسم ابتهاج جسده المصريون بوحدتهم وتعاضدهم. لقد وقفوا جميعا، أقباط ومسلمين حول هدف التغيير. وانحازت المؤسسة العسكرية، ممثلة في المجلس العسكري الأعلى لإرادة الشعب. وتفاعل العرب والعالم مع الحراك الملحمي لأرض الكنانة، ورددوا مع شعب مصر، أنشودة إرادة الحياة.

اتجهت مصر نحو التغيير، وجرى الاقتراع على الدستور، وصدر قانون الأحزاب وتم الإعلان عن موعد الانتخابات النيابية، ومجلس الشورى. وتفاءلنا بمستقبل واعد لمصر، رغم مؤشرات الانفلات الأمني بالمدن الرئيسية، بحسبان أن ذلك أمر بديهي، وملازم لأي تحرك فوار، بحجم الحراك الملحمي الذي شهدته مصر.

أمل المصريين، وأملنا أن يتراجع الانفلات الأمني، والعنف فيأمن الناس على حياتهم وأموالهم وأعراضهم. لكن ذلك للأسف لم يتحقق. اندلعت حوادث ماسبيروا بالقاهرة، بعد شهور قليلة من التغيير، وتكررت عدة مرات معبرة عن احتراب طائفي غير مألوف، في مجتمع أكد تاريخه الطويل تجانس نسيجه، وأن هذا التجانس ظل القلعة الحصينة التي أفشلت كل محاولات تفتيت الوحدة الوطنية لهذا الشعب العربق.

تفاءلنا خيرا بعد انتهاء الانتخابات النيابية، التي شهد الجميع بنزاهتها. وتشكل مجلس نيابي جديد معبر عن الخيارات الحقيقية للشعب. وكانت تلك خطوة مهمة على طريق بناء نموذج الدولة المدنية، والتأكيد على الانتقال السلمي نحو الدولة المدنية، والتماهي مع سمات هذا العصر. وتوجت تلك الخطوة بالإعلان عن نتائج انتخابات مجلس الشورى، بذات النزاهة التي طبعت عملية الانتخابات النيابية، مبشرة ببداية مرحلة جديدة في تاريخ مصر، حيث لا مكان للمحسوبية ولا للفساد، وحيث يحتل الفرد مكانته في المجتمع، بندية وتكافؤ، دونما حسبان لحسبه أو لجاهه، أو لموقعه في السلم الاجتماعي.

في اليوم الذي احتفل فيه المصريون بانعقاد أول جلسة لبرلمانهم الجديد، حيث يفترض أن يكون المشهد عطرا وبهيجا، انقلب الوضع رأسا على عقب، فأصبح كئيبا ومروعا. في ذات اليوم، وإثر انتهاء مباراة لكرة القدم بين النادي الأهلي بالقاهرة، والنادي المصري في بور سعيد، عاشت أرض الكنانة ليلة حزينة، وصفتها صحيفة الأهالي بـ"الليلة السوداء"، ونعتتها صحيفة الهدف المصرية، بالمذبحة والمشرحة وبالليلة الدامية في بور سعيد. وقالت عنها صحيفة الزمالك، إنها الليلة التي بكت فيها مصر. فيما وصفها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنها "يوم أسود في تاريخ كرة القدم".

لقد قدمت مصر أكثر من سبعين شهيدا، عدا أكثر من ألف جريح، بعضهم مصاب بارتجاج في المخ، وبجروح قطعية. وقيل فيما جرى إنه استكمال لحالة الانفلات الأمني التي تشهدها مصر منذ أكثر من عام. اتهم الأمن مرة أخرى، بالتقصير في حماية المدنيين.

رجل في السابعة والأربعين من العمر، وصف في أحد المواقع الإلكترونية المشهد الراهن في مصر قائلا: أبلغ من العمر 47 سنة، وأعيش في بلد الأمن والأمان!. عملت في مجال السياحة ومنذ سنة وأنا أعيش مع أسرتي بلا عمل. عندما أخرج من منزلي للبحث عن عمل أشعر بالخوف على أولادي من البلطجية. إنني أعيش في رعب وقلق، وأحمد الله على كل دقيقة تمر بسلام. لقد وصلت البلطجة يا سادة وصلت لملاعب الكرة وبلغت حد قتل أولاد في سن الزهور.

لن يعود إلى مصر ألقها ووهجها، إلا بعودة عبقرية المكان لحضورها، وتحقق وحدة مكونات نسيج مصر. أن تستبدل البغضاء بالمودة والكراهية بالحب، والعنف بالتسامح، وأن يدرك المصريون أن الدماء التي تسيل هي دماءهم في المبتدأ والخبر، وأن لا رابح في صراع المصريين مع بعضهم البعض، سوى أعداء مصر. تلك هي معطيات التاريخ، فعسى أن يتعلم أهلنا مجددا من دروسه.