يكفي أن يكون ثمة مبرر ساذج لإشعال عود ثقاب وبعدها تندلع الحرائق الكبرى ويتساقط العشرات من الضحايا تباعاً فيما لا يكون لدى العقل ولا عند العقلاء ما يقيم الأود ويخفف من آثار الفاجعة غير الذهول وحيرة الأسئلة المندهشة حول ما حدث ولماذا حدث ولمصلحة من.؟

هل يعقل أن تكون منافسة كروية في بور سعيد المصرية مدعاة فجيعة لها لون الحروب ومذاق الكوارث؟

أليس في مصر وبقية الأقطار العربية والإسلامية من المحن ما يفوق قدرتها – أحياناً – على المواجهة وما يغني مواطنيها عن ارتداء الأقنعة وخوض المعارك البلهاء؟

ومن أين وكيف تشكل هذا المخزون الضخم من الاندفاع الهائج والاستعداد الجماعي لإراقة الدم واسترخاص قيمة الحياة وأرواح البشر.

لقد كنا نعلم يقينا معنى التضحية وهي تختط طريق العرب إلى الحرية في ليبيا ولم يغب عن أذهاننا دافع الاستماتة في مواجهة الأسد المنفلت من عقاله. هذا ما نعلمه كذلك عن بلدان الربيع الأخرى.. لقد مرّ الفصل الأول من تجليات الربيع العربي وتداخلت الهتافات ببعضها وفي تلك الأثناء تماثلت حناجر الثوار تماماً كما تشابهت خناجر الطغاة وتبين أن القضايا العادلة لا يعوزها تأصيل نظري يستقصي الأنساب ويفتش في الألوان والأعراق..لم تكن هناك حاجة لاكتشافات نظرية، ولم يلتفت الناس إلى أضرابهم من فقهاء التفصيل والتأصيل فحيث تكتمل القناعات وتنضج فرص التغيير تتحرك الجماهير بواعز من رغائبها الذاتية وتتحدد الأهداف وفق أعلى سقف يجود به خيال أكثرهم غبناً وأشدهم مرارة.

غير أن أحداث بور سعيد أبرزت سياقاً مختلفاً ينبئ عن خطر لم يكن في حسبان أحد.

أهو المزاج الثوري بطبائعه المتقلبة أم عجز الثورة عن ضبط إيقاع الحياة العامة للمجتمع وتلبية التطلعات الشعبية لدى الثوار وبالأخص منهم شريحة الشباب؟

سياق البحث يشجع على إثارة أسئلة مغايرة عن علاقة محتملة بين أحداث العنف البور سعيدي من جهة وما تبقى من تراث وأدوات النظام السابق من جهة ثانية..وفي مثل هكذا احتمال فلماذا لا تكون أصابع الفوضى الخلاقة قد تسللت هي الأخرى إلى مربع الحالة الثورية لتجعل منها ألسنة لهب يتمدد طوفانه ويتسع ريثما تترنح الدولة المصرية وتنهار مؤسستها العسكرية القوية ويصبح من البساطة بمكان إعادة تشكيل ثقل و مكانة مصر ضمن خارطة الشرق الأوسط الجديد بمجموعاته العربية المفككة وأوضاعها المضطربة مقابل الكيان الإسرائيلي الأكثر حظوة ونفوذاً دوليا.

وإذ تتشعب مجالات التحليل وتتعدد القراءات السياسية لدورات العنف على الساحة المصرية وبطليعتها أحداث بور سعيد فإن ذورة الأخطار الناجمة عن تلك الأحداث طابعها الثقافي والنفسي.

إن جملة من العوامل التي ركمتها الأيام تتواشج فيما بينها مسلمة قيادها لآخرين يحسنون التقاط الفرص واستثمار المواجع وتكييفها مع أجنداتهم الخاصة وحساباتهم الاستراتيجية فيما تعيش أمتانا العربية والإسلامية حياة مطبوعة على الشرود الذهني والانغماس في المشكلات البدائية التي تنتج كل يوم لوناً من ألوان الصراع.. مرة في صناعة الطغاة وأخرى من أجل إسقاطهم وفي كلتا الحالتين تبرز أطواراً شتى من أعراض التفكك والانقسام.

جرت العادة أن ننشغل بالنتائج ونوظف كل الطاقات على مواجهتها ولم يحدث أن كانت الأسباب على طاولة البحث والمعالجة.

إن لدينا كما روت أحداث بور سعيد مخزوناً هائلاً من إرث التخلف المسكوت عنه.. صحيح أن الحكومات الجائرة تقذف شعوبها بمآزق من كل ماركة وصنف ولكن الأصح أن الثوار والنخب الفكرية والشرائح المتنورة بما في ذلك رجال الدين جميع هؤلاء ساهموا في بناء منظومات الأزمة النفسية لدى المجتمع.

إننا مدعوون إلى شراكة واسعة في مواجهة إرث الصراع ومن غير اللائق أن نتذرع بالديكتاتور ونحمله وهو خلف القضبان مسؤولية ما يحدث في زمن الثورة ومن داخل شريحتها الرئيسة الشابة.

السياسيون كل السياسيين حكاماً كانوا أم معارضين أنتجوا قدراً هائلاً من التعبئة الصراعية التي تتغذى على المجازفة وتتعقب الإبداع وتحاكم النوايا وتستهدف قيم السلام والتعايش.

إن على قوى التغيير في بلدان الربيع العربي أن تدعو هؤلاء إلى تسليم خارطة الألغام التي قاموا بزراعتها في مراحل الصراع على السلطة وأن يذهبوا لنزعها فذلك أولى من انهماك القادة التاريخيين في نصب شواهدهم على كراسي الحكم.

ولكم هي الحاجة ملحة لترسيم حدود فاصلة بين الماضي والحاضر وإقامة مناطق تسوق علني بينهما وبدون هذا سوف يكون علينا البقاء في مربع المراوحة على ذمة قناني الصراع ومرجعيات العقل المأزوم!