كان التسوق عند كبار السن في الماضي في يوم محدد، ومكان معين يتم التسوق فيه سواء للبيع، أو للشراء، وليس كما هو في وقتنا الحاضر على مدار الأسبوع، بل على مدار الساعة، بل أصبح التسوق من المنزل من خلال التسوق الإلكتروني، وكان من ضمن المصطلحات التي نسمعها تتردد في ذلك الوقت في أثناء التعرف على أخبار السوق: أن السوق حامي، أو الأسعار حارة، أو السوق ساخن، ولا يطاق، وغير ذلك من المفردات التي قد لا يدرك معانيها الجيل الجديد في المجتمع، وجميعها تصب في معنى واحد وهو أن الأسعار غالية، ومرتفعة عن الحد المقبول، أو المعقول، وهذا ما يعانيه كثير من المواطنين في هذه الأيام الذين هم بحاجة حقيقية لعاملات منزليات من ارتفاع غير مبرر في أسعار الاستقدام، أو نقل الكفالة، وهذه الأسعار مبالغ فيها بشكل كبير، وفرضتها كثير من مكاتب الاستقدام استغلالا منها للموقف بعدما تم إيقاف وزارة العمل لإصدار التأشيرات من إندونيسيا والفلبين، ونتيجة لذلك أصبحت أسعار الاستقدام ساخنة، بل أصبحت هناك سوق سوداء لاستقدام العاملات، أو نقل الكفالة، نتيجة لزيادة الطلب، ونقص العرض، واستغلال بعض المكاتب، والسماسرة لهذه الظروف مما أدى إلى ظهور السوق السوداء في هذا المجال.

فمن كانت لديه تأشيرة استقدام، وعقد استقدام مع أي من مكاتب الاستقدام قبل تفعيل قرار وزارة العمل بالإيقاف تم رفع الرسوم العادية من قبل هذه المكاتب بحوالي ألفين أو ثلاثة آلاف ريال عن السعر الذي يسبق تفعيل القرار، وتمت زيادة المدة المطلوبة، أو الاعتيادية لقدوم العاملة لفترة أطول بقصد أن تكون هناك خدمات سريعة للاستقدام مقابل زيادة أخرى في التكلفة قد تصل إلى ألفي ريال، ومع ذلك لم يكن هناك استقدام بالخدمات العادية، أو السريعة، وهذه حالة واضحة من حالات السوق السوداء للعاملات، وبعد توقف قدوم العاملات من تلك الدولتين على وجه الخصوص ظهرت عروض نقل الكفالات، أو التنازل عن العاملات، ونشط السماسرة في هذا المجال مقابل مبالغ مالية كبيرة قد تصل إلى 25 ألف ريال، وهذا المبلغ قد يكون أكثر بكثير من مهر البنت عند بعض الأسر، وهذا مثال آخر على السوق السوداء للعاملات، كما أن بعض الأفراد من ضعاف النفوس ممن لديه عاملة ويمكنه الاستغناء عنها استغل حاجة بعض الأسر، وعمد إلى تشغيلها خارج منزله مقابل راتب أعلى بكثير من الذي تأخذه شهريا منه، ويعطيها راتبها ويحتفظ هو بالفرق، وقد يكون الراتب المطلوب في مثل هذه الحالات أضعافا مضاعفة في شهر رمضان، ويأخذ الكفيل الفرق في الراتب وبدون وجه حق، مع أن هناك إجراءات نظامية لمثل هذه الحالات وفق شروط واضحة ومحددة من الجهات المختصة، وهذه الفئة ولله الحمد محدودة، ولكنها تظهر بين الحين والآخر.

أما هروب العاملات، أو تشغيل غير النظاميات فهو عامل آخر ساعد على ظهور السوق السوداء للعاملات، حيث يستغل بعض المواطنين، أو الوافدين العاملات الهاربات، أو غير النظاميات من خلال تشغيلهن مقابل مبالغ كبيرة، ولهؤلاء السماسرة نسبة كبيرة من هذه الرواتب، وهنا أرى أن الجهات الرقابية عليها مسؤولية كبيرة في مكافحة هذه التجاوزات غير النظامية، وأن يتعاون المواطن معها في عدم تشغيل هذه العمالة غير النظامية، أو المخالفة لأنظمة الإقامة.

ولقد ظهرت مكاتب استقدام غير نظامية، أو وهمية، وهي في الحقيقة ليست مكاتب مصرحا لها بالاستقدام، بل هي مكاتب خدمات، واستغلت هذه المكاتب حاجة المواطنين للعاملات، وأوهمتهم بأنها قادرة على الاستقدام من بعض الدول ووفق خدمات مستعجلة بأسعار أعلى من الاستقدام العادي، وكثير من هذه المكاتب أخذت التأشيرات وكامل المبلغ للاستقدام وبدأت تستثمر هذه المبالغ، ولم تحرك ساكنا حيال الاستقدام، ولن تعمل أي شيء لأنها غير مصرح لها بذلك، وهي في الواقع لا تملك تصريحا لمزاولة هذا النشاط وغير مؤهلة له، وهذا استغلال للمواطن، ومخالفة صريحة للأنظمة، ومثل هذه المكاتب بحاجة إلى متابعة من الجهات المختصة، وإيقاع أقصى العقوبات بأصحابها.

وفي ضوء المعطيات السابقة التي أدت إلى ظهور السوق السوداء للعاملات وغيرها من الأسباب الأخرى أرى أنه من الضروري أن يتم الاستعجال في التوصل إلى اتفاق بين المملكة وإندونيسيا والفلبين فيما يخص استقدام العاملات المنزليات، ويعود فتح الاستقدام بأقرب وقت، وأن يتم إنهاء إجراءات تأسيس شركات الاستقدام التي سمعنا عنها منذ زمن وفق ضوابط واضحة، ومحددة تحفظ حقوق المواطن، والعمالة المنزلية؛ فعملية ترك الوضع كما هو عليه حاليا قد يؤدي إلى ظهور حالات أخرى من السوق السوداء للعاملات المنزليات، وبشكل غير مقبول، والمواطن مسؤول في هذا الجانب من خلال تعاونه مع الجهات المختصة للقضاء على معطيات السوق السوداء للعاملات، وأن يتأكد من نظامية مكتب الاستقدام الذي يتعامل معه، وإذا لم توجد لديه حاجة فعلية، أو حقيقية للعاملة المنزلية فلا يقوم بالاستقدام؛ لأن ذلك يزيد من الطلب، ويرفع السعر في ضوء قلة العرض، والصعوبة في الاستقدام في الوقت الحاضر.