استطاعت جائزة البردة التي تنظمها سنوياً بكل اقتدار وإبهار وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة، أن تكون رائدة ومتميزة على مستوى العالم الإسلامي؛ وذلك من خلال تنظيم مسابقة شعرية مفتوحة للشعراء من كل مكان في الشعر الفصيح والشعر الشعبي، في موضوع مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، وإبراز شخصيته وسيرته العطرة. بالإضافة إلى مسابقة عالمية في الخط العربي بفرعيه التقليدي والحديث، ومسابقة في الزخرفة التقليدية، فحجزت بذلك كله لنفسها موضعاً بارزاً على الخريطة الثقافية العالمية.
الجائزة التي يرعاها سنوياً سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية الإماراتي، ويعتني بها معالي عبدالرحمن بن محمد العويس وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع بالدولة تتحدث عن نفسها جمالاً وجلالاً، وهي تهدف فيما تهدف إلى تحفيز الأجيال الناشئة على الالتزام بدينها وإدراك واجباتها تجاه عقيدتها ورسالتها الإسلامية. وإيجاد روح التنافس بين المشاركين وتشجيع روح المبادرة والابتكار في بذل المزيد من الجهد والوقت في الاطلاع على السيرة. وتكريم المتميزين والمبدعين من الشعراء والخطاطين والتشكيليين العالميين. وإبراز الوجه الحضاري لدولة الإمارات، وحرصها على تأكيد تعاليم الدين الحنيف في خدمة أبناء العالم الإسلامي. وتأكيد القيم الإسلامية، وأهمية دورها في الحياة. وتكريم الشخصيات والجهات التي قامت بخدمة الإسلام في العالم بشكل متميز، والأفراد الذين يقدمون إنجازات وإبداعات متميزة.
شدني فيما شدني في الجائزة هذا العام ما رأيته من فقرات متعلقة بالإنشاد الديني، الذي يسميه السابقون (الحداء) ـ بكسر الحاء وضمها مع المد ـ. الإنشاد الذي أقصده هنا هو ذلك الكلام المنغم الذي يتناول موضوعات لها سمت ديني كتنزيه الله سبحانه تعالى، أو مدح رسوله صلى الله عليه وسلم، أو غير ذلك من قيم. يقوم بذلك فرد أو مجموعة من ذوي الأصوات الجميلة الجذابة، وأصحاب الحناجر الذهبية.
مراجع التراث تذكر أن بداية الإنشاد كانت مع بداية الأذان، ثم تطور الأمر لاحقاً على أيدي المؤذنين، وأصبحت له قوالب متعددة، وطرائق شتى. الكتب ذاتها تبين أن بداية الإنشاد كان على أيدي مجموعة من الصحابة رضي الله عنهم، ثم التابعين. وكانت قصائد سيدنا حسان بن ثابت رضي الله عنه في مدحه صلى الله عليه وسلم هي الأساس للمنشدين، تلا ذلك أو معه قصائد متنوعة في الدعوة إلى عبادة الله سبحانه، والتمسك بالقيم الإسلامية، وأداء الفرائض وغير ذلك.
في أيامنا هذه أصبح للإنشاد الديني أهمية كبرى، وتصدى له كبار المشايخ والمنشدون الذين يحيون المناسبات لمحبيها. وتطورت قوالبه فأصبحت له أشكال متعددة وأسماء كثيرة تمدح الدين، وتدعو إلى الفضيلة والوحدة، وتشجب عكسهما. ويبدو واضحاً اليوم تأثر الإنشاد بالفضائيات المرئية، وظهور قنوات متخصصة لذلك، خصوصا مع تزايد جماهيريته على مستوى العالم الإسلامي، وأصبح له أهمية ملحوظة، وتطورت أموره فأصبحت له أشكال وأسماء كثيرة مشهورة، ولعل أبرز ما يلحظه المهتمون في إنشاد العصر الحديث هو تصنيف طبقات الصوت، وإلمام المنشدين والشعراء بها، مما عاد على المتذوقين بالفائدة ولفت الاهتمام.
حقيقةً ما أجمل أن يستمع الإنسان إلى الأناشيد (المشروعة لا المحظورة) التي تنزه الله سبحانه وتعالى، وتمدح نبيه صلى الله عليه وسلم، وتتميز بالحكم والمواعظ والعبر؛ شريطة أن تبعث في النفس ما يقويها على طاعة مولاها، وألا تأخذ بكامل الوقت.