في الصالة التي كانت تضج في جنباتها كلمات المشاركين في ندوة "العلاقة الجدلية بين المثقف والسلطة في العالم العربي" ضمن فعاليات المهرجان الوطني للتراث والثقافة بـ"الجنادرية" الذي تتواصل فعالياته حاليا بمدينة الرياض؛ كان مشهد ضباط الحرس الوطني وهم يقومون بخدمة ضيوف المهرجان لافتا للنظر في الوقت الذي كان جميع المشاركين ـ سواء الرئيسين أو المتداخلين ـ يؤكدون أن العلاقة بين السلطات الرسمية والمثقفين والعرب في أسوأ حالاتها، فما يحصل على أرض الواقع هو أن من يرعى هذه الفعالية ومن دعا ضيوفها وقررها ضمن البرنامج وجند ضباطه أصحاب الرتب و"النجوم" المتعددة واقفين ليل نهار في كل أرجاء المهرجان وفي جميع وسائل النقل بين الفعاليات، هو إحدى الجهات الرسمية (السلطة)، فحسب معرفتي المتواضعة لم أجد جهات عسكرية مهمتها الأولى حماية الأوطان تنظم مهرجانا ثقافيا بهذا الحجم وتسخر له كل إمكاناتها البشرية والمادية، وربما تكون حالة نادرة حتى على المستوى الدولي.
هذا الكلام ليس مديحا لمؤسسة وطنية كبيرة كالحرس الوطني، فهي غنية عنه، وليس شهادة بأن العمل كان كاملا، فلابد أن يصاحب أي اجتهاد بشري بعض النقص، ولكنه غالبا ما يعالج في لحظاته، وقد شهدت شخصيا بعض النقاشات بين بعض الضيوف والمنظمين حول بعض الأمور التنظيمية البسيطة جدا، وللحق فالمنظمون سواء من الأفراد المدنيين أو الضباط العسكريين كانوا يتعاملون مع جميع المواقف بروية وحكمة ويذيبون العتب بالكلمات الجميلة ومعالجة الملاحظة في حينها.
الأهم هنا في اعتقادي هو أن إقامة ندوة تحت هذا العنوان وفي وقت كهذا يمور بالأزمات السياسية الحادة في العالم العربي، وفي ظل تصاعد حدة التوتر بين السلطات السياسية وبعض النخب الثقافية في معظم الدول العربية مبادرة محمودة للمهرجان، خصوصا أن الحضور استمعوا إلى مداخلات ساخنة، بعضها كان استعراضيا أكثر منه موضوعيا، ومع ذلك أعطي المشاركون من معظم الدول العربية الذين عقبوا على طروحات المتحدثين الرئيسين وهم حيدر محمود (الأردن) وأبو يعرب المرزوقي (تونس) وبنسالم حميش (المغرب) كامل الحرية في إبداء آرائهم. ولعل أبرز ما لفت نظري هو قول أحد المتداخلين إنه كان يتمنى أن يسمع من "المرزوقي ومحمود وحميش" رؤية استشرافية للعلاقة الأسلم بين المثقف والسلطة، وهي ذات الأمنية التي خرجت بها من القاعة.