في المرحلة التأسيسية للدولة السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز، رحمه الله، كانت مؤسسات الدولة في بداياتها تعتمد بشكل كبير على إدارة مركزية، وكان هذا الأسلوب في الإدارة مقبولاً ومنطقياً في حينه وللحاجة للعمل التأسيسي. لاحقاً، قامت الدولة ـ حفظها الله ـ بتطوير مؤسسات الدولة من خلال لجان وزارية، من أهمها لجنة التطوير الإداري، والذي نتج عنه إنشاء عدد من الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية التشريعية والتنفيذية والرقابية. كل هذا في سبيل تأسيس عمل مؤسساتي يحفظ للوطن مدخراته، ورفع مستوى أمن وتعليم وصحة ومعيشة ورفاهية الوطن والمواطن.
بناءً على هذا التنظيم الإداري، يتوقع من كل جهة حكومية القيام بعملها على أكمل وجه، بهدف خدمة المصلحة العامة وليس المصلحة الخاصة.. خدمة الوطن والمواطن وليس أشخاص، وقد تحصلنا وكسبنا عددا من المنجزات على مستوى الوطن والمواطن والمؤمل والمتوقع الكثير، وكيف لا ونحن ننعم بتلاحم تاريخي بين القيادة والمواطن، ونعيش في بيئة يسودها الأمن والأمان والتفاؤل في مستقبل زاهر وإدارة أفضل لموارد واستثمارات المملكة البشرية والمادية.
ويعتمد أداء أي جهة أو مسؤول على قدرته على التقييم واتخاذ القرار في الوقت المناسب، أما التعليق والبحث عن الأعذار بعد حصول الضرر فينم عن قصور مؤسساتي وشخصي. والضرر يكون أكبر وأخطر إذا كان يتعلق بأمن واقتصاد الدولة. وتمثل ظاهرة تزايد أعداد البطالة في المملكة وتزايد أعداد المستثمرين الأجانب أكبر التحديات التنموية.
في بداية عمل الهيئة العامة للاستثمار، كان التركيز على جلب استثمارات أجنبية في مجال الغاز والنفط وبرساميل عالية، وبالتركيز على المعرفة والخبرة العالمية والتوظيف والاستثمار الأمثل لأبناء وبنات البلد.. إستراتيجية وطنية طموحة، قابلة للتطبيق نظير نجاحات مماثلة في الماضي، مثل تجربة أرامكو وسابك والهيئة الملكية للجبيل وينبع، إلا أن إستراتيجية الهيئة تغيرت ابتداءً من عام 2006 الذي أعلنت فيه الهيئة عن إستراتيجيتها (10X10) للوصول إلى مصاف أكبر عشر دول في العالم في التنافسية، وإلاعلان عن إنشاء أربع مدن اقتصادية والوعد بتوفير أكثر من مليون وظيفة لأبناء وبنات المملكة، وقامت بحملة تسويقية (خيالية) عالمية، فماذا حصل؟ وما هي النتيجة؟ وأين الجهات الحكومية الأخرى؟ وما هي الدروس المستفادة من هذا التجربة المريرة؟
بعد أكثر من أربع سنوات من عمل وتوجه الهيئة، تحقق عدد من النتائج ولكنها سلبية على أمن واقتصاد المملكة، فقد تم توظيف الملايين ولكن غير سعوديين، وتم جلب مستثمرين أجانب وبأعدد كبيرة – دون قيمة مضافة – ولكن بأموال سعودية، وتصدير مئات المليارات خارج المملكة. وأما المدن الاقتصادية فلم تتعد الورق، فقد كانت حلماً فهوى!
في ظل هذه الظروف والمعطيات، نتساءل عن غياب مشاركة الجهات الحكومية الأخرى عن التقييم والتنبيه والتحذير منذ بداية وأثناء عمل الهيئة، وليس بعد حصول الضرر. أين دور وزارة الاقتصاد والتخطيط ووزارة التجارة ووزارة العمل؟ وأين دور مجلس الشورى ووزارة المالية وديوان الرقابة العامة؟ الدولة ـ حفظها الله ـ وضعت جل ثقتها واعتمادها على هذه الجهات في أداء دورها في حماية مدخرات الوطن من المال العام وضمان الاستثمار الأمثل في موارد المملكة نحو مستقبل واعد ومشرق، مع تنبيهها لأي تجاوزات أو أخطاء. كان من الممكن والمفروض أيضاً التنبيه للأخطاء والقصور الذي كان ملاحظاً على عمل وممارسات الاستثمار الأجنبي في حينه بدلاً من التأخر إلى ما بعد حصول الضرر على أمن واقتصاد المملكة، وهو ضرر كبير من الصعب إصلاحه، ناهيك عما يخسره الوطن من أموال وأراضٍ وفرص استثمارية.
أما الدروس المستفادة فهي كثيرة، وأهمها ألا تتكرر هذه الأخطاء. وما تقوم به وزارة العمل من مشاريع تتعلق بالسعودة مثل "نطاقات" و"حافز" وما تم تخصيصه من ميزانية الدولة بأكثر من (40) مليارا للسنة الحالية فقط لدعم هذه المشاريع ينبغي إخضاعه للتقييم والفحص والرقابة الفورية والمستمرة. وكما أعطت هيئة الاستثمار الوعود الخيالية في التوطين والاستثمار الأجنبي المتميز ولم يتم الوفاء بها، ها نحن نعيش تجربة مماثلة من إعطاء وعود خيالية في السعودة وتوطين الوظائف، وعود يلاحظ عليها ما يلي:
1. لا توجد خطة إستراتيجية وتنفيذية متكاملة للسعودة، ولا توجه واضح (Direction)، مع تجاهل وزارة العمل لقرار مجلس الوزراء رقم (50) الصادر في عام 1418 والذي يقضي بزيادة نسب السعودة (5%) سنوياً على نسبة الـ (20%).
2. لا توجد مؤشرات أداء دقيقة وواضحة وكاملة، فوزارة العمل لا تعطي ولا تتعامل مع أي أرقام بخصوص نسب البطالة الحالية، ولا تعطي أيضاً أي معلومات حول نسب البطالة المستهدفة خلال الأشهر القادمة، فهي تعمل دون مؤشرات أداء!
3. لا توجد أي مشاركة أو تقييم وفحص من الجهات الحكومية الأخرى مثل مجلس الشورى في تقييم وفحص مشروعات وزارة العمل، فهذا وقت التقييم والمشاركة وليس لاحقاً!
4. من خلال مشروع حافز، يتم تخصيص مبالغ تقدر بأكثر من (30) مليارا لتدريب وإعادة تأهيل خريجين وخريجات المملكة! وهذا يعني أن وزارة العمل تتعامل مع مشكلة البطالة على أنها نقص في التأهيل والتعليم وليس مشكلة تكلفة، فهل نغلق جامعات المملكة وبرامج الابتعاث الخارجي ونعتمد على برامج التدريب لدى وزارة العمل؟ وأين ستصرف هذه المليارات ولأي غرض ولأي جهات خاصة؟
5. أما بالنسبة لمشاريع مثل نطاقات، فيكفي أن نعلم أنها تكافئ القطاع الخاص إذا حقق نسب السعودة الـ (20%) بمنحه تأشيرات استقدام عمالة خارجية!
فهل نتعلم من الدروس السابقة ونقف وقفة مراجعة ومحاسبة وتقييم صادقة لمشاريع السعودة والمشاريع الإستراتيجية الأخرى قبل فوات الأوان وضياع فرص التطوير؟