كم مات قوم وما ماتت مكارمهم وعاش قوم وهم في الناس أموات ثمة شيئان لا يمكن للمرء أن يحدِّق فيهما: الشمس والموت. وإن يكن التحديق في الشمس ليس بضرورة إلا أن مواجهة الموت حتمية لا يمكن الفرار منها، فالبشر يرحلون ويبقى من بعدهم أثر ما قدموه، وإنه ليصبح فقدنا شجناً حين يغادرنا إنسان كان مدهشا وواعيا وممتلئا بالحياة إلى غياب بعيد ليس له من إياب.

قصيرة هي الحياة، وغامضة ومفاجئة ومتناقضة، إذ لم يتبادر لذهني أنه سيأتي يوم لأكتب عن هذا الرجل الذي وقفت يوما مشدوهة بكل الفيض الغامر الذي كان يبثه لنا عبر إحدى القنوات الفضائية " الحياة أمل، بادر، اعمل، عش الحياة بحب " .. كانت تلك هي أيقونات هذا الرجل الذي لم يكن ليلقيها لنا إلا وهو يبتسم ابتسامته الأبوية التي لا تشبه إلا هو، فكان يردد علينا ولكل الدنيا حبوا الحياة، حبوا ذاتكم، وناضلوا لأجل وعيكم. ها هو يرحل من عالمنا ويترك لنا روح وعيه الجميل تحلق في كوننا، في مكتباتنا، في ذاكرتنا، ليبقى بيننا ولنظل مؤمنين بما حرضنا عليه من جمال، ومدركين أن الموت هو نهاية الجسد وليس نهاية الروح والفكر، إذ يبقى الفكر الإنساني هو الرابط بين الأجيال المتعاقبة.. يمضي جيل لينهض جيل جديد يكمل المسيرة إلى الغاية ولا يتوقف عقل الإنسان عن إنتاج الأفكار وتنميتها، فيموت الإنسان ويبقى الفكر حياً لا يموت.

رحم الله الدكتور إبراهيم الفقي رائد البرمجة اللغوية العصبية NLP ، فقد كان قامة إنسانية وفكرية وعلمية رائعة وعظيمة. رحل عن عالمنا بعد أن سطر لنا معاني كبيرة وجميلة في معنى أن يترك لنا الراحلون قبسا من نور نهتدي به على الطريق، وبوصلة ترشدنا إذا ضاعت منا الطرق.. هكذا يجب أن يكون المعلمون الخالدون.

إن أقل ما يستحقه هذا الإنسان الذي كان يوما حتى آخر أيامه ضاجا بالحياة والأمل أن نكتب عنه شيئا يليق بعلمه وبنبل حضوره البهي الذي غمرنا به خلال السنوات الماضية. كل من عرفه كان محظوظا بمعرفته وأنا منهم. وتلامذته الذين أحبوه صاروا على طريق فكره المميز والنيّر، فقد علمهم كيفية التفكير على طريقة عقل كالماء لتوجيه العقل لكل ما هو إيجابي. كان الفقي مولعا بثنائية الحياة والأمل، وكان جميلا بما يكفي ليبقى في الذاكرة وفي الوعي.. هكذا يبقى الرائعون حين يرحلون، يتركون لنا بياض أرواحهم وصوت فكرهم.. نعم رحل الدكتور الفقي ولكن الفكر يبقى حيا لا يموت.