أكتب هذا الأسبوع من بروكسل، حيث يُبدي المسؤولون في الاتحاد الأوروبي دعماً غير محدود للدور المتنامي لمجلس التعاون في معالجة الأزمات التي تمر بها المنطقة. ومن واقع التجربة الأوروبية، فقد ربطوا هذا النمو في دور مجلس التعاون مع مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز بالانتقال بالمجلس من مرحلة التعاون إلى مرحلة الاتحاد. ولم يُخفِ المسؤولون الأوروبيون حماستهم لهذه المبادرة منذ اليوم الذي أُعلنت فيه في افتتاح قمة مجلس التعاون في الرياض في 19 ديسمبر 2011م، وعبّروا عن سعادتهم بإمكانية تحول المجلس إلى مرحلة أكثر تماسكاً وقدرة على التأثير في أحداث محيطه والقضايا الدولية على نحو يتناسب مع إمكاناته الاقتصادية.

وأشار الأوروبيون على وجه الخصوص إلى الدور المؤثر الذي لعبه مجلس التعاون في التعامل مع الأزمات في ليبيا واليمن وسورية، إذ قدّم مجلس التعاون نموذجاً جديداً للتعامل مع التهديدات الإقليمية للأمن والسلام، يقلب الأسلوب المتعارف عليه سابقاً في مواجهة تلك التحديات رأساً على عقب. ففي الماضي، كان المجتمع الدولي هو من يُبادر بالحلول، ومن ثُمّ يُطلب من الأطراف المحلية تقديم الدعم والتنفيذ، ولكن هذا المنهج قد تغير خلال الأشهر الفائتة في معالجة أزمات المنطقة، إذ وجدنا القوى المحلية، بما فيها مجلس التعاون والجامعة العربية والدول الفاعلة فيهما، تتولّى القيادة وتقديم المبادرات، ثم تبعها المجتمع الدولي بالدعم والتأييد. وإذا استمر هذا النموذج الذي سَنّه مجلس التعاون، فإنه قد يُحدث ثورة في معالجة وإدارة الأزمات في العالم.

ولننظر إلى مثال ليبيا، فقد كان مجلس التعاون سباقاً، في شهر مارس 2011م، في دعوة الأمم المتحدة إلى فرض منطقة حظر الطيران لحماية المدنيين الليبيين، من هجوم وشيك كانت قوات القذافي تعتزم القيام به لاجتياح بنغازي وغيرها من المدن الليبية. وكانت قوات القذافي قد تمكنت بالفعل من القضاء على أعداد كبيرة من المدنيين، قبل أن توقفها القوات الدولية بعد صدور قرار مجلس الأمن بتفويضها بذلك.

وفي اليمن، كانت المبادرة الخليجية عاملاً أساسياً في مساعدة اليمنيين على تحقيق انتقال سلمي وسلس للسلطة من الرئيس علي عبدالله صالح، الذي حكم اليمن 33 عاماً، إلى حكومة انتقالية للوفاق الوطني. وبعد الحصول على موافقة الأطراف الرئيسية في اليمن، طُرحت المبادرة على مجلس الأمن الذي تبناها بالإجماع كحجر الأساس في قراره رقم (2014) بشأن اليمن. ووفقاً للمبادرة وآليتها التنفيذية، تم الإعداد للانتخابات الرئاسية المقرر إجراؤها في 21 فبراير 2012م، ومن ثم يتم العمل تدريجياً على إعادة الاستقرار والسلام في اليمن. وفي الوقت نفسه، فإن برنامج مجلس التعاون لتقديم الدعم التنموي لليمن، وتشجيع الاستثمار والتبادل التجاري بين دول المجلس واليمن، سيكون لبنة مهمةً في مساعدة اليمن على مواجهة التحديات العظيمة التي تحيط بالمرحلة الانتقالية التي يمر بها اليمن العزيز.

وقد وفرت مبادرات مجلس التعاون التي حققت النجاح في اليمن وليبيا عناصر مهمة في النموذج الذي يجري حالياً طرحه لحل الأزمة في سورية، إذ إن خطة الجامعة العربية تعتمد على المبادرة الخليجية لحل أزمة اليمن. ولم تنجح هذه الخطة حتى الآن في الحصول على موافقة مجلس الأمن، بسبب الفيتو الروسي والصيني، ولكن الخطة ما زالت المبادرة الرئيسية المطروحة لحل الأزمة في سورية، وما اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم الأحد 12 فبراير 2012 إلا محاولة أخرى لتحريك هذه الخطة نحو حل الأزمة، والاستمرار في السعي لاستصدار إجماع دولي بشأنها، وهو الإجماع الذي حجبه – مؤقتاً على الأرجح – ذلك الفيتو المزدوج من حليفي سورية التقليديين.

وتمثل مبادرات مجلس التعاون في هذه الأزمات الثلاث آخر الأدلة على رغبة دوله في ترجمة إمكاناتها الاقتصادية والسياسية الكبيرة إلى دور إستراتيجي جماعي لها، يُضاف إلى الأدوار المؤثرة التي تقوم بها تلك الدول منفردةً في معالجة القضايا الإقليمية والدولية التي تمسّ مصالحها ومستقبل شعوبها. فقد وُجّهت الانتقادات سابقاً إلى المجلس بأنه على الرغم من حجم الاقتصاد الخليجي وحصة دوله في احتياطات النفط والغاز في العالم، فإن الدور السياسي والإستراتيجي لدول المجلس لم يتناسب مع تلك المقدرات. وحسب تلك الانتقادات، فإن دول المجلس تمتلك أكثر من نصف القوة الاقتصادية والمالية والاستثمارية للعالم العربي، فضلاً عن دوره في أسواق النفط والغاز، ومع ذلك فإن تلك الدول لم يكن لها دور سياسي في حل أزمات المنطقة يتناسب مع قدراتها الاقتصادية، وقليلاً ما كان لها دور مؤثر في تحقيق الأمن والسلام خارج منطقة جوارها القريب.

وبصرف النظر عن مدى صحة مثل هذه الانتقادات في الماضي، فإن نجاح المجلس ودوره القيادي في معالجة الأزمات الرئيسية في المنطقة – في ليبيا واليمن وسورية (قريباً) يثبت أن مثل هذه الانتقادات لم تعد صحيحة في الوقت الحاضر على الأقل. وليس هناك شك بأن تحول المجلس إلى اتحاد أكثر تماسكاً وقوة سيعزز من قدرته على تحقيق الدور الإستراتيجي الذي يتلاءم مع إمكاناته الاقتصادية المتنامية.