تستأثر وزارة التعليم العالي بقدر لا بأس به من الرضا في الشارع السعودي، لم يأت ذلك من فراغ وليس بسبب حملات في العلاقات العامة، بل انطلاقا من واقع تقدمه الوزارة، وهي تقود أبرز محاور عملية التنمية في الحياة السعودية، وتدير واقع ومستقبل الجيل السعودي الأبرز والأهم، جيل ما بعد المرحلة الثانوية.

منذ أسبوع وفي محاضرته بمقر وزارة الخارجية: السعي نحو الريادة في التعليم العالي، تناول وزير التعليم العالي الخطة التوسعية لإنشاء الجامعات السعودية، ليذكر أنها ستصل إلى أربعين جامعة بنهاية الخطة الخامسة والعشرين. ورغم أن تاريخ الوزارة في العمل والإنجاز يدعم التفاؤل والارتياح لهذا التصريح، ولهذا التطلع، إلا أنه في ذات الوقت يطرح حزمة من الأسئلة والتداخلات التي يجب أن نضعها نصب أعيننا ونحن نخطط لمستقبل التعليم العالي في المملكة.

تدير وزارة التعليم العالي واحدا من أبرز وأضخم برامج الابتعاث في العالم، إذ ـ وحسب التصريح الأخير لوزير التعليم العالي ـ يتجاوز عدد الطلاب والطالبات المبتعثين والمبتعثات المئة وثلاثين ألفا، موزعين في مختلف دول العالم، وفي أفضل الجامعات في تلك الدول، ورغم صعوبة واتساع هذا المشروع عاما بعد عاما إلا أنه يمثل دليلا على إمكانية إنجاح أي مشروع متى ما توفر الدعم والإخلاص والعمل وفق تنظيمات وأساليب إدارية وتخطيطية سلمية، وهو نجاح يتكامل مع واقع التعليم العالي في الداخل.

منذ سنوات يسيرة تراجعت في أذهان السعوديين تلك الجملة التي اعتادوا على سماعها مطلع كل عام جامعي جديد، وهي: "لا توجد مقاعد" بكل ما تحمله هذه الجملة من خيبة أمل وأسئلة لا تنتهي، فاتساع القبول في الجامعات، وافتتاح الجامعات الجديدة في مختلف مناطق المملكة، وإعطاء مزيد من الاستقلالية للجامعات في جوانب التخطيط والتطوير والميزانيات، أسهم في ظهور مؤسسات جامعية محلية تخطو بثقة نحو تميز ونجاح مستمر.

هذا النجاح العام والإيجابي، يجعلنا في مواجهة مع أسئلة النوعية أكثر من أسئلة الكم، وهي أسئلة بديهية في التنموية لكنها تأخذ في قضية التعليم العالي بعدا محوريا جدا، فهل يتمثل النجاح في افتتاح أربعين جامعة، وهل يتمثل النجاح في قبول كل خريجي التعليم العام في الجامعات ؟ يبدو أولا أن إجابات هذه الأسئلة ليست مرتبطة فقط بالوزارة بل فهمنا لما يجب أن تكون عليه التنمية، وفهمنا غير المنطقي لضمان مستقبل الطالب السعودي من خلاله ربطه فقط بمسار واحد، هو مسار التعليم الجامعي .

بماذا تتميز مثلا جامعة الجوف عن جامعة نجران، وبماذا تتميز جامعة تبوك عن جامعة الباحة، وما الأدوار التنموية الوطنية التي تؤديها كل جامعة على المستوى الوطني، وليس على مستوى المناطق فقط ؟ إن أكبر خطأ نقع فيه حين نتصور أن دور كل جامعة في منطقتها يتمثل في استيعاب خريجي الثانوية العامة من أبناء تلك المنطقة، إذ سنتحول من الكيف إلى الكم، ومن واقع التنوع في مؤسساتنا التعليمية إلى واقع التشابه والتماثل الذي لا يقدم سوى نسخ مكررة من الجامعات.

إنني آمل في اليوم الذي نجد فيه طالبا من حائل يدرس في جامعة نجران وطالبا من المجمعة يدرس في جامعة الباحة. يحدث ذلك إذا ما تميزت كل جامعة بشخصية أكاديمية خاصة، وركزت على مجموعة من التخصصات والمسارات العلمية كما يحدث في كثير من دول العالم إذ يتجه طلاب الطب مثلا لجامعة ما بينما يتجه طلاب الهندسة أو العلوم لجامعة أخرى.

لكن يبدو أننا أغرقنا وزارة التعليم العالي بذلك الفهم الضيق لوظيفة المؤسسات الجامعية حين حصرنا في الكم والقدرة على استيعاب أكبر عدد من الخريجين، ويبدو أنها تتمثل لذلك التطلع العام، إلا أن هذا لا يعفيها أبدا من المبادرة إلى تعديل هذا الوضع.

يبدو أيضا أن هذه الوزارة تقف وحيدة في استقبال خريجي التعليم العام، ففي كل دول العالم تمثل الجامعة مجرد خيار من خيارات عدة، من أبرزها مؤسسات التعليم الفني والتعليم المهني.

إنها تحديات مستقبلية كبيرة، ولدينا تجارب تؤكد أن كثافة العدد فقط تتحول إلى أزمة، ودليل ذلك أن كثيرا من الوزارات الآن أخذت تتجه لاستيعاب كل خريجي تخصصاتها حتى لو لم يكن ذلك متسقا مع واقع سوق العمل، وبالتالي، فالتحدي الأبرز لدينا ليس في تعليم أكثر ومؤسسات جامعية أكثر، بل في تعليم نوعي، وتعليم فني ومهني يقدم خيارات أخرى للشباب السعودي لصناعة مستقبلهم ومستقبل التنمية.