صار الإنسان السعودي "علامة فارقة" وماركة مسجلة في كل مواسم السفر الصيفية والشتوية، الطويلة والقصيرة، الإقليمية والدولية، تجده في نفس اللحظة ونفس اليوم يُمّترْ جادة الشانزلزيه، كما تلمحه في الحي اللاتيني وتراه في شارع أكسفورد ونايتسبردج، وتجده "يؤرجل" وينفث أنفاسه في إيدجوار رود، وهذا هو الحال معه في سوليدير بيروت وفي عاليه وصوفرر وبرمانا، وتراه متلفعاً عن الغبار الذي تثيره سنابك الخيل في ساحة الأهرام وأبوالهول، كما تراه "يردح" في ملاهي شارع الهرم الليلية، وهو متوفر في كل أسبوع في منطقة جميره والـ "جي بي آر" وبرج خليفة ومعظم أوتيلات دبي الفاخرة.. وستراه حتماً في واشنطن في نفس وقت تواجده في لوس أنجلوس وسنتياجو ولاس فيغاس.. ولن تعدم رؤية السعودي في مانيلا وبينانغ وبوكيت وجاكرتا، وستراه حيثما وليت.. وكيفما أقبلت وأدبرت.. شرقت أو غربت.. وعندما أقول ما سبق فإنني لا أورد معلومة هي للكل معلومة ولا أذكرها من باب الاعتراض أو الاستكثار، وأنا الذي سبق لي في مقال سابق أن فندت الأسباب التي تدعو السعودي وتحفزه للسفر المستمر، لكنني هذه المرة أورد ما سبق لأقول إن بلادنا المترامية الأطراف مجهولة لدى أكثر المواطنين، ففي ما عدا المدن الرئيسية (الرياض وجدة ومكة والمدينة والدمام) والتي تقصد بعضها بغرض مراجعة الدوائر الحكومية أو العمل أو الدراسة أو العلاج أو لسبب العمرة والزيارة، كما هو في مكة والمدينة. لكن مدن الأطراف في بلادنا لا تكاد تستهدف بالزيارة والمعرفة والاستكشاف، وهي لا تعرف جيداً إلا لقاطنيها وهم نسبة قليلة ومتدنية لا تشكل رقماً يذكر من المواطنين الذين أتيح لهم زيارة العلا ومدائن صالح، وقلة هي التي زارت دومة الجندل ومسجد الخليفة عمر ومعاصر الزيتون في الجوف، وقلة لا تكاد تذكر تلك التي عاينت الأخدود وطراز المعمار النجراني التقليدي الذي يرتفع لأدوار عالية بما يعبر عن مهارة معمارية لافتة. وقليل من السعوديين الأولين والآخرين الذين تعرفوا على شواطئ ظبا أو شواطئ جيزان أو سهوب فيفا أو روابي النماص أو قلاع دارين أو تاروت أو قارة الأحساء، ثم دعك من بلاد طي في حائل.. والعبق النجدي في منطقة القصيم. ولا تستغرب إذا علمت أن الإنسان الذي ينتسب لبلد النفط الأكبر في العالم، إنتاجا وتصديراً واحتياطاً، لم يشاهد حقول النفط ولم يقف فوق إحدى منصات إنتاجه في البر أو في البحر ولم يشاهد الحقول النفطية التي تغوص وسط كثبان الصحارى الرملية الشاسعة. وليس عندي شك أن نفرا قليلا، لا يكاد يذكر، هو من حظي بهذه المعرفة والزيارة عن قرب.

إن كل ما ذكرته أعلاه لهو واقع مخجل لمواطن يسافر في كل اتجاه وبوصلته المحلية لا تستدل على جهاته الأربع، والأقرب والعذر الجاهز هو أن البنية التحتية والتهيئة الأساسية للسياحة الداخلية ليست مغرية أو متوفرة بقدر يحفز على المبادرة، بل إن المواطن لو أراد أن يستعرض ويزور مواقعه الجديرة بالزيارة لما عرف أين يذهب وكيف؟! ومع من؟ وبكم؟ وهل هناك وكيل يتولى تنظيم مثل هذه الرحلات؟! وهل أماكن الإقامة متوفرة؟ وإن توفرت فهل هي مناسبة؟ فإن كان ذلك كذلك (وطبعاً هو ليس كذلك) فلماذا لا نرى الإعلانات والدعوات والتحفيزات كما نراها بحق المدن الأجنبية؟ والأكيد أنه ما لم يسبق أن حدث مثل هذا التحفيز والإغراء، فإن هذا يعني أن الواقع لا يحقق المتطلبات الدنيا للسائح، ولأن هذا معروف ومدرك بالتجربة، فإن المنتظر أن تتهيأ الظروف والسبل –مستقبلاً- التي تخول للمواطن أن يتعرف على وطنه كما يتعرف على أوطان الغير، وإلى أن تتحقق مثل هذه التطلعات فإن الأمل منعقد على الهيئة العامة للسياحة والآثار أن تبدأ في غرس هذا النهج والسلوك الوطني في نفوس النشء من أبناء الوطن وطلاب المدارس الدنيا صعوداً ووصولاً إلى طلاب الجامعة، بمعنى أن يتم التنسيق بين الهيئة العامة للسياحة والآثار ووزارة التربية والتعليم لترتيب وتنظيم رحلات سياحية قصيرة جداً خلال آخر أيام الأسبوع (الأربعاء والخميس والجمعة ) طوال أيام الموسم الدراسي على نحو يكفل وضع جدول سياحي يطوف بالنشء من أبناء الوطن على مدن وقرى وآثار ومراتع ومزارع ومصانع ومنتجات الوطن في جهاته الأربع والتنسيق مع وزارة التربية لوضع درجات تزيد وتنقص بحجم مرات سفر الطالب وتنوعها بحسب الجهات وجعل الدرجات إحدى وسائل التشجيع والتحفيز والتدقيق في هذا الشأن لنضمن أكبر قدر ممكن من المسافرين، ويمكن عرض الفكرة لتبنيها على القطاع الخاص وقد يصحب ذلك سعر رمزي يسهم الطالب بجزء منه وتتكفل الوزارة (وميزانيتها وافرة ولله الحمد) بالنصيب الأكبر من التكاليف، وأظن أن مشاركة الطالب في الرسوم مهمة من حيث رمزية وأهمية ذلك لدى الأسرة السعودية التي تدفع وتقترض أحياناً في سبيل السفر إلى الخارج. نحن لا نرجو ولا نؤمل كثيراً، في من جاوزوا سن الطفولة والصبا (ومن باب أولى من هم في جيلي) أن يغيروا عاداتهم ويسيحوا في الداخل، أقول هذا في ظل ما نلمسه من اهتمام متصاعد بالحفاظ على آثار المملكة من لدن الهيئة العامة للسياحة والآثار ورئيسها الأمير سلطان بن سلمان الذي تجعلنا جهوده البارزة نطمع في المزيد. إن "فكرة" هذا المقال تتطلع لتربية الجيل الصاعد على معرفة مكامن وطننا المجهولة وموجوداته العبقرية والثرية بما يرفع من ثقة المواطن بوطنه وبما يعزز من الوحدة الوطنية وبما يجعل "السعودي" فخورا بأرضه وإرثه، قديمه وحديثه، ماضيه وحاضره. إن كثيراً من المواطنين الذين توطنوا على السفر للخارج – فقط- لا يعلمون أن في وطنهم ما هو جدير بالزيارة والاحتفاء.. بله لعل كثيرا من الصغار يستصغرون وطنهم وأنفسهم في مواجهة الآخر، لأنهم يظنون – طالما يسافرون – أنهم يغادرون للأحسن والأبرد والأرقى .. وما علموا أننا في كثير مما لدينا أحسن، وأن كثيرا من مصائفنا أبرد وكثيرا من مدننا أرقى.

.. ربوا صغارنا على معرفة الداخل ليحبوه ويقدروه أكثر وأكثر.