كنت وما زلت أعتبر الفنان السوري ياسر العظمة من أميز الفنانين العرب الذين يقدمون رسالة إنسانية وثقافية واجتماعية عالية الجودة والجرأة. ودليلي على ذلك القضايا التي تطرق لها في مسلسله الشهير "مرايا"، ومنها حلقة عرضت مساء أول من أمس تحت عنوان "جرة عسل"، كانت ترتكز على حيرة أبناء "ضيعة" سورية مهمشة لا يملك أهلها سوى قوت يومهم، ومن أهم أصناف هذا القوت كميات قليلة جدا من العسل. أما مرد حيرة هؤلاء فهي طبيعة "الهدية" التي سيقدمونها للوالي التركي الجديد الذي عينه السلطان العثماني، فهم فقراء ولكنهم يريدون استمالته ورضاه حتى لا يؤذيهم، وقد يقدم لهم بعض الخدمات التي تحتاجها قريتهم، وبعد جدل بين "المختار" وبعض وجهاء "الضيعة"؛ اقترحت عليهم إحدى الفتيات تقديم هدية عبارة عن جرة عسل كبيرة، يشارك في ملئها جميع بيوت الضيعة، وبذلك يقدم الجميع الهدية وبأقل التكاليف. لكن المثير أن كل بيت كان يعول على الآخرين في ملء الجرة بالعسل وبالتالي كان الكل يضع كوبا من الماء بدلا من العسل، لأن كلا منهم يعتقد أنه الوحيد الذي يفعل ذلك. وعند مجيء الوالي قدمت له الهدية "جرة العسل" التي لم تكن سوى "جرة ماء"، فاغترف منها كوبا، مبديا إعجابه بطعم (العسل/ الماء)، ليس لأنه لم يعرف أن هذا ماء، ولكن لأنه بحاجة "تصويت" أهل "الضيعة" وتزكيتهم له لدى السلطان، تحول الماء إلى عسل مصفى. وبالطبع انتهت الحكاية الدرامية في هذه النقطة، لتتساقط بعدها الأسئلة المهمة حول الحكاية الأكبر التي تقع على أرض سورية حاليا (وليس في عهد العثمانيين)، فـ"العظمة" كفنان سوري محبوب على نطاق واسع، ما زال صامتا منذ بدء الأزمة في بلاده، ويحرص على أن ينفي أنه قد صرح لأي وسيلة إعلامية برأيه الشخصي حول ما يحدث، فهو كما يبدو لا يؤيد ولا يعارض. وشخصيا لا ألومه بشكل كامل فهو يعيش وسط نظام قمعي قد يرسله (وراء الشمس)، لكن من المهم لكي تبقى صورته الجميلة في أذهان المشاهدين، أن يشارك لا هو ولا غيره من الفنانين والمثقفين في سكب العسل، حتى وإن كان مخلوطا بالماء، في جرة نظام الأسد كما فعل زملاؤهم عارف الطويل وأيمن زيدان وفراس إبراهيم وغيرهم.