أبهرني حرصه الشديد على حضور جميع الملتقيات المعنية بالأدب والثقافة وما يتعلق بهما من إبداع. لم أعرف ملتقى أو ندوة إلا كانت له ورقة عمل فيهما، أو مشاركة من نوع ما. يبحث عن المواعيد في دأب يغبط عليه ويبدأ في الإعداد للتسجيل والاتصالات المتكررة وبعث ملخصات مما سيلقيه هناك. كان حديثه الطويل عما تداخل فيه من محاور، وعقب عليه من آراء وما تناوله من مضامين يملأ جلساته الخاصة ويفيض عنها إلى منتديات ومواقع إلكترونية. كنت أعجب حقا من قدرته على الإحاطة بكل تلك الفعاليات على الرغم من أنه أستاذ جامعي، ولديه مهام كثيرة ومناشط داخل جامعته وفي محيطها.

صديقنا هذا وغيره كثيرون أصبحوا "ماركة مسجلة" في ملتقيات الأندية الأدبية وندواتها الكبرى، ولا يكادون يفوتون فرصة إلا اهتبلوها، وهذا لا يعيبهم إطلاقا، فهم ومن احتذى حذوهم رافد الفعالية ووقودها الذي به تسير وسناها الذي على ضوئه تهتدي "هكذا يزعمون"، لكن في الجانب الآخر تفقد أثر هذا الأستاذ في طلابه، بل وعلى صعيد مجتمعه، مما يوسع دائرة الغرابة والدهشة معا حين يفجؤك أحد طلابه معبرا عن استيائه من هزال مادته العلمية، وضعفه العلمي وتزجية وقت المحاضرات في موضوعات هامشية لا تسمن ولا تغني، جلّها عن مغامراته الندواتية وصراعاته الفكرية مع أساطين الأدب والنقد. أما قاصمة الظهر فهو ما حدث لي فعلا قبل أسبوع تقريبا حيث التقيت أحد الأصدقاء من غير السعوديين في قرطاسية ينسخ بحثا أعده، باركت عمله لكنه قاطعني قائلا: هذا البحث لا يخصني، إنه لصاحبك، سألته: ومن صاحبي هذا؟ أجاب: فارس الملتقيات.. عقبت: لا بأس، وقته لا يسمح بأن يطبع أوراقه.. صدمني: يطبع ماذا يا صديقي؟ كل أبحاثه وأوراق العمل التي يشارك بها من جمعي وإعدادي وتصنيفي، وما عليه إلا أن يمدني بعنوان الملتقى ومحاوره وما ينوي الحديث عنه فحسب ثم يتسلم بحثه مطبوعا ومنسوخا كما طلب، ودعته والمشاعر مني غير ذات معنى.

لن ألقي باللائمة عليه، ولا على لجان تلكم الملتقيات التي تسعى لإنجاح خططها دون تمحيص، لأن المشهد يعطي أفقا لفعل كهذا وأكثر، مع يقيني أن نفرا ممن يشاركون لا تنقصهم الكفاءة العلمية ولا الكفاية المهنية في أن يقدموا من نتاج أقلامهم وفكرهم الأصيل ما يثري الساحة ويسجل أسماءهم في لوحة الشرف.