كنت طفلا، عندما وجدت نفسي في خضم حرب أهلية في لبنان عام 1958، يومها كنت أفتش عن أخي في شوارع بيروت، مرة بين "الثوار"، ومرة أخرى على متاريس الجيش. علمت فيما بعد أن سببها معارضة دخول لبنان في حلف بغداد.
وفي نفس العام وجدت نفسي بين متظاهرين يهتفون لنجاح الانقلاب الذي قاده عبدالكريم قاسم في العراق. وعلمت فيما بعد أن عبدالناصر كان وراءه، كما كان بعد سنوات سببا في إسقاط قاسم على يد عبدالسلام عارف. وبعد الثورة التي انتهت في لبنان بـ"لا غالب ولا مغلوب" شهدت بعد 3 سنوات انقلابا عسكريا ضد نظام الرئيس فؤاد شهاب، كان الأول والأخير في التاريخ اللبناني الحديث، لأن الانقلابات العسكرية لا تنجح بسبب التركيبة الطائفية.
كنت في سن تسمح لي بإدراك أن الحزب القومي السوري كان وراء الانقلاب.
ولأن الانقلابات العسكرية مستحيلة، كانت الحرب الأهلية البديل لتغيير النظام.
وهكذا كان. ولم تمر 14 سنة حتى كانت الحرب التي امتدت بشكل متواصل 15 سنة، تخللها اجتياحان إسرائيليان عامي 1978 و1982، وحروب "إلغاء" و"تحرير"، واتفاق الطائف لوضع حد للحرب، ولكنه لم يرس أساس الدولة، بسبب مزاجية منفذيه.
باختصار، وبحساب بسيط لم أتمتع بحلاوة الحياة سوى بضع سنوات، ربما كانت في طفولتي الأولى، ولا أدري إن كنت في تلك الفترة قد أصبت بمرض أم لا، وفي سنوات الغربة. هذه ليست قصتي وحدي من أبناء جيلي، إنها قصة الكثيرين من أمثالي الذين كانوا منذ ولادتهم مشاريع ضحايا حروب لا ذنب لهم فيها. كل ما أريده ألا يكتب أبناؤنا، تاريخا مشابها.