حين نفى العقيد خالد بن عبدالعزيز المقبل مدير المركز الإعلامي بالمهرجان الوطني للتراث والثقافة بالجنادرية وجود ظواهر وممارسات سلبية في المهرجان كان يعني هذا فعليا، هذا إذا ما نظرنا لهذه الظواهر بعين العقل والحكمة، نعم هي ظواهر ولكنها ظواهر إنسانية طبيعية تحدث في كل بقعة على هذه الأرض، أن يجتمع الناس، الأطفال، النساء، الكبار، الصغار في مكان واحد هو الظاهرة الطبيعة، الغير طبيعي هو أن يفرض على الناس نمط حياة لا تشبه البشر، ومن المؤلم أن نصل إلى مرحلة أن نبرر رسميا أو حتى إعلاميا وجود تجمع طبيعي مثل هذا لما أثير حوله من ردود أفعال البعض. فالجنادرية في هذا التجمع فعليا ليست إلا "نموذجا مصغرا" للمجتمع في أبسط حالاته.

إن رفض المجتمع لتقبل الإقصاء والمراقبة وافتراض سوء النية ليس إلا رد فعل طبيعيا لما يحدث من دفعه إلى هذه المنطقة الحرجة من التعايش مع واقع لم يعد يشبهه.

نحن بالفعل أصبحنا نصرف الكثير من الطاقة الذهنية للمجتمع في أمور تافهة شتى: مثل النزاع على ما يجب وما لا يجب، إلى جانب هذا النزاع الذي ينهك قوانا: التوافه التي نتفوه بها، الوقائع اليومية الطارئة التي تأسر أذهاننا، ثرثرتنا الذهنية التي لا تتوقف وما أكثر الأشياء السطحية التي تستقطب انتباهنا! والتي تدفع بنا إلى أن تكون قضيتنا بينما هي لا شيء.

إن جزءا كبيرا من طاقتنا الذهنية يُهدَر في تناقضنا وفي تجزئة حياتنا إلى نصفين، وإلى حياتين مع وضد، فبات هذا الهدر النفسي والمعنوي يتسلَّل عبر حياتنا الاجتماعية ويؤثر في التماسك الداخلي لشكل حياتنا ويكدِّر صَفْوَ كل شيء، ويخيف المرأة أكثر مما ينبغي باعتبارها محور الشر المقصود من كل هذا التداعيات الاحترازية.

إن مراقبة كل نفس لفرض الالتزام السلوكي الأخلاقي المستقيم لهي ضرب من المحال إذا ظننا أنه يمكن دفع الناس إلى فضيلة التعفف دفعا أو ضبط النفس. و"ضبط النفس" هنا ليس قطعًا قهرَها.

المراقبة المحمومة للمجتمع في كل تحركاته بحيث تصير هذه التحركات والأنشطة هي وحدها محلَّ الانتباه سوف تؤدي إلى حالة من الانكفاء المتشنج والمقاومة والرفض والكثير من الاستياء وتفقدنا قدرتنا على الارتياح والفرح والتناغم. لذا فإن الأسلوب الأسلم هو الاكتفاء بالتزام حسن النية حيال الجميع فهو أجدى من تتبعهم. فطبيعة البشر ليست قابلة لأن تكون مطاردة، ومراقبة، فلا نكتفينَّ من الأفكار والنوايا بقشورها الخارجية، لأن هذا قصور في التعاطي مع مجتمع لديه من النوافذ ما يكفي لأن يطل على العالم من حوله.