حاول اليسار المصري نهاية السبعينات دفع محمد منير كنموذج متقدم وشاب للنزعات الثورية للفن، فالجماهير بحسبهم ملت موسيقى "إمام" الشيخ الضرير وصوته المخنوق، أراد مثقفو المحروسة شكلا جديدا، وكانت تزكية زكي مراد ووصية عبدالرحيم منصور كافية، التقط منير الفرصة كقط، ضحك عليهم، انفرد عنهم، باع النوبة لمصر مرة أخرى، صار عنوانها، في مصر الثمانينات ترنحت الأغنية، اهتزت السينما، تدنى الاقتصاد، حروب ناصر وسلام السادات ومقاطعة العرب كانت الأسباب، ضاقت الحال بالناس والحياة والفن، اجتاحها العربجية والقهوجية والصنايعية، دخلت موسيقاهم، دخلت أدواتهم، احتلوا كل المقاعد، فيلم "الكيف" مثال رائع، رحل منير لأوروبا، اكتشف فكرة النجم، راقت له.
عربيا كان ثمة مزاج مشتعل.. حرب لبنان، الانتفاضة الفلسطينية، حرب صدام مع إيران، مرر الولد أغنية للانتفاضة، ضخم الحدث، بات منير مانشيت من لا مانشيت له، طار به المثقفون المحبطون، أرادوا مارسيل خليفة بطبعة مصرية، وأراد غير ذلك، نكش شعره، خنق ميكرفونه، وأخذ يعب من موسيقى أسوان وشعرها، لم يفوت أهزوجة، طقطوقة، هدهدة أم، زفرة فتاة غاب حبيبها، سحبه شاهين للسينما وأعطاه، ساق جمله بما حمل لأوروبا مرة أخرى، سحنة سمراء وحركات عصبية وثياب مهلهلة وفوق ذلك موسيقى لم يألفوها، رفع الأجر، دل سكة الجوائز، بات حالة مستعصية، تبع خطى أحمد زكي، شيء من الغموض بلمسة فوضى، أصبح مطرب المثقفين مدا شعبيا وللمفارقة خلعوا عليه لقب "الملك"، تحول مشروع فنان الطبقات للتسليع، انقرضت الشيوعية، صار الالتزام تهمة، أمسكت فكرة اقتصاد السوق بتلابيب شركات الإنتاج، عرض وطلب، "اللي مامعووش مايلزمووش"، كل الوسائل نحو كل الغايات.