في يوم الخميس الماضي، 16 فبراير، توفي الصحفي الأميركي المعروف (أنتوني شديد)، خلال تواجده في مهمة صحفية في شرقي سورية. وكان شديد حتى وفاته مراسلاً لصحيفة نيويورك تايمز، وقبلها واشنطن بوست، وحصل خلال حياته القصيرة على العديد من الجوائز الصحفية.
وعزت صحيفة نيويورك تايمز سبب الوفاة إلى تعرضه لأزمة ربو حادة، لم يتمكن من تجاوزها في المنطقة النائية التي كان يعمل فيها، وكان قد قضى الأسبوع الماضي في سورية في جمع المعلومات عن الجيش السوري الحر وغيره من مجموعات المقاومة السورية. وقد توفي وهو لم يتجاوز (44) عاماً من عمره.
قابلت أنتوني شديد بعد وقت وجيز من أحداث 11 سبتمبر 2001، وكان وقتها في أوائل الثلاثينات من عمره. ولعلك تتذكر تلك الأيام وكيف كان معظم الصحافة الأميركية في هيستيريا فعلية في تغطيتها لتلك الأحداث وتداعياتها. لم يكن ثمة مجال للدقة أو التوازن في كثير من تقاريرها. ولكن أنتوني كان مختلفاً، حرص في تغطيته على تحري الدقة والتوازن والاعتدال ولم ينسق مع القطيع الصحفي في تلك الأيام الكالحة. رأيتُ في كتاباته حرصا غير عادي على تغطية جميع الجوانب، وعمقاً في معرفة المنطقة وتاريخها. والحقيقة أن تلك الخصائص – الدقة والتوازن وعمق المعرفة – لم يكن لها مثيل في وقت الاندفاع إلى الحرب على الإرهاب التي شنها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، الذي قال يومها إن ثمة خيارين لا ثالث لهما، وهما إما أن تكون معنا أو ضدنا. ولكن أنتوني اختار أن يكون إلى جانب الحقيقة.
وربما عاد جزء من اهتمام شديد بالمنطقة إلى جذور عائلته البعيدة في جنوب لبنان قبل مئة عام، قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة، ولكن معرفته بالمنطقة اكتسبها بجهود شخصية.
وقد ظللت على تواصل مع شديد منذ سبتمبر 2001 وحتى وقت قريب.
في مارس 2002، تعرض أنتوني شديد لهجوم في رام الله خلال تغطيته للانتفاضة الفلسلطينية الثانية، وكانت إصابته خطرة حيث أطلق عليه جندي إسرائيلي رصاصة أصابته في أحد كتفيه، وخرجت من الجانب الآخر على بعد سنتيمتر واحد من عموده الفقري، وتركت في جسده نحو 12 شظية في أماكن بالغة الخطر. ولكنه كُتبت له الحياة، وإن كانت فترة علاجه قد امتدت شهوراً، ومع ذلك لم تمنعه الإصابة من العودة إلى الكتابة خلال أسابيع، رغم الألم وعدم قدرته على استخدام إحدى يديه بسبب الإصابة.
وعندما رأيت أنتوني في الرياض في عام 2008، كان يحدثني عن أحد مشاريعه المفضلة، وهو إعادة تعمير بيت أجداده في لبنان، وكيف كانت تلك العملية العمرانية رحلة علاجية نفسية بالنسبة له، ورحلة ثقافية في الوقت نفسه، أعاد من خلالها اكتشاف تاريخ تلك المنطقة وتراثها، بالإضافة إلى التعرف على جذوره العربية بشكل أعمق. وفي كتابه البديع الذي نُشر باللغة الإنجليزية بعنوان (بيت من حَجَر)، يروي أنتوني شديد عملية إعادة بناء بيت أجداده، وفي الوقت الذي يتحدث فيه بالتفصيل عن مناحي الفن المعماري، كان يتحدث عن تاريخ الأسرة في لبنان، ثم هجرتها إلى أميركا في عشرينات القرن الماضي، واستقرارها في ولاية (أوكلاهوما) في العُمق الأميركي.
وخلال العقد الماضي، حصل شديد على جائزة (بوليتزر) الرفيعة مرتين تقديراً لعمله الصحفي، ولكن النجاح لم يدفعه إلى الدعة والسكون، بل ظل إلى آخر لحظات حياته صحفياً ميدانياً محترفاً، يعمل في أصعب الظروف. وخلال العام الماضي، على سبيل المثال، اختطف في ليبيا وأُسيئت معاملته، ولكنه استمر في تغطية أحداث المنطقة.
وخلال العام الماضي، تحدثنا عدة مرات عن أحداث المنطقة العربية. ومع حرص شديد على تغطية التفاصيل كصحفي محترف في أكبر جريدة يومية يعتمد عليها القارئ الأميركي لمعرفة أحداث هذه المنطقة، كان حريصا في الوقت نفسه على اكتشاف تداعيات الأحداث اليومية وآثارها. وكان، على ما أعتقد، أول صحفي غربي يكتب عن تداعيات أحداث تونس وآثارها المحتملة في المنطقة العربية. وتحدثنا مرة عن الشعور بالوحدة والانتماء العربيين وكيف أثرت تلك الأحداث في تعزيزهما، وكان يرى بانبهار كيف تعامل المواطن العربي من المشرق إلى المغرب مع أحداث تونس ثم مصر.
وقد قاده إخلاصه الشديد وحرصه على تغطية الحدث بدقة إلى الذهاب إلى مناطق خطرة خلال عمله الصحفي، في فلسطين ولبنان والعراق وليبيا، وأخيراً في سورية حيث وافته المنية. ولم يمت برصاصة ولكن بسبب أزمة ربو قاتلة، ربما كان من الممكن معالجتها لو كان في مكان أقل خطورة.
ووفاة أنتوني شديد المفاجئة وهو في عز فترة عطائه المهني ليست خسارة لأسرته ومحبيه فحسب، بل خسارة للعمل الصحفي الجاد المستقل. لقد كان صحفياً مرموقاً وورحاً جميلة في الوقت نفسه.