بعد أشهرٍ عدة من بدء الثورة السورية؛ خرج الظواهري من صمته ودعا رفاقه للجهاد والتجمع في سورية، حيث الفرصة سانحة للتدخل والتخريب على أهل البلد في ثورتهم كعادة القاعدة في عدة تجارب سابقة! جاء هذا في وقتٍ صرح فيه مسؤولٌ أميركي رفيع مُحذرا من دخول محتمل للقاعدة في سورية، ولا أشك في أن النظام البعثي السوري يتمنى دخول القاعدة بأي ثمن، وربما تُساعد في ذلك إيرانُ والنظامُ العراقي أيضا لتسهيل دخولهم، من أجل كسر التأييد الدولي للثورة السورية!

ومن خلال قراءة تاريخ النظام السوري وتصرفاته؛ نجد أنه من المتوقع تسهيل دخول تلك التجمعات للتيارات الجهادية من العراق وغيره إلى داخل سورية، لأجل سببينِ، أولهما؛ زعزعة وإضعاف التأييد الدولي للثورة وبالأخص أميركا، بالإضافة إلى أنه بإدخال عنصرٍ فوضويٍّ كالقاعدة فمن المتوقع حدوث صراعات داخل الثورة، فطالما نجحت القاعدة والتيارات المشابهة في بث الفوضى والانشقاقات والحروب البينية، مما يُضعف الثورة كثيرا، خاصة في مثل هذه المرحلة التي بدأت فيها الثورة الانتقال إلى الخيار العسكري لمقاومة النظام الهمجي السوري.

وفي ظروف مثل هذه الظروف التي يعيشها إخواننا في سورية، من قتل وتدمير وتشريد، وأضف لها الفقر والجهل في بعض الأماكن ربما، توجد البيئة الخصبة لولادة الأفكار المتشددة والمتطرفة التي تتبناها تلك التجمّعات. ولربما كان أولئك الأكثر جُرْأةً وتهوّراً، مما يمكّنهم من جذب البسطاء وصغار السن لتكوين الخلايا.

وإذا نظرنا إلى تاريخ تلك الحركات التي تدور في فَلَك نفس الفكر الذي تعتنقه القاعدة (الفكر الجهادي السلفي التكفيري)؛ نجد أن حصادهم مرٌّ ومليء بالمغامرات الفاشلة، بالإضافة إلى الدماء والدمار التي تعقب ذلك! وسأسرد بشكل مختصر بعضا من تلك المغامرات مع التسليم جدلا بالتوافق في الأهداف التي ذهبوا لأجلها، إلا أنهم بتصرفاتهم أنتجوا الضد.

ففي آخر تجربة لهم في العراق؛ نجد أنه بعد أن حقّقت المقاومة العراقية درجات متقدمة في مقاومة المحتل، توقّفت المقاومة تقريبا، وأفقدتها تصرفاتُ تلك التيارات المتطرفة أيَّة مصداقية أو معقولية لجذب التأييد الإقليمي والدولي أو حتى على الأقل تحييده! وتحوّل العديد من أطياف المقاومة (ومن بينها بعض التيارات الإسلامية المعتدلة) إلى مقاومة القاعدة وأشباهها، من خلال الصحوات، نظرا لما خلّفته من تصرفات لا تُحتمل من تكفير واغتيالات وغير ذلك. وأصبح الناس يُفضّلون المحتل على أن يبقوا تحت رحمة تلك التيارات المتطرفة! بالتأكيد سيقول بعض المتعاطفين معها وبكل عفوية؛ بأن تلك الأفعال كانت بتدبير المحتل وأعوانه! إلا أن الحقيقة ليست كذلك (مع عدم تبرئتي له)، حيث يغلب على أتباع تلك التيارات الجهل العميق مع الفكر المتشدد، وقد حاول عدد من علماء العراق التوسط لأجل إقناعهم وكفّهم إلا أن الأمر لم يُفْلح! حتى إن عددا من المُحللين يُرجّحون وجود علاقة بين تلك التيارات وإيران، فقد ثبت تسهيل إيران لدخولهم ووجود صلات ببعض المجموعات، ومما يُقوي هذا الاستنتاج؛ أن الطرف المستفيد من تصرفاتهم دائما هي إيران والمجموعات التابعة لها، إلا أنني لا أرى صحة ذلك؛ نظرا لطبيعة عقيدة تلك المجموعات حيث لا تسمح بتعاون بهذا الشكل، ولكن أرجح أن إيران قد تستفيد من القاعدة وأشباهها بشكل غير مباشر من خلال دراسة ردود أفعالهم العفوية غالبا، أو من خلال التجنيد والاختراق.

وهكذا ما حصل في الشيشان قبل العراق؛ بعد أن حقق الشيشانيون انتصارا عظيما ضد الروس وطردوهم من بلادهم، واكتسبت البلاد دعما وتأييدا دوليا ضد الروس، جاءت النجاعة لتلك التيارات كالعادة بفكرة تفجيرات موسكو للمدنيين العزّل والعمليات داخل أنقوشيا خارج الشيشان، مما شلّ الموقف الدولي والمساعدات الخارجية لحركة التحرّر هناك، وأوجد المبرّر الكافي لموسكو كي ترد بعُنف! بل وصل الأمر إلى إرسالهم مقاتلين لداخل طاجكستان وأفغانستان وكشمير وربما غيرها، وأخذوا بالتدخل في شؤون الدول الأخرى مع ضعفهم الشديد آنذاك، كل هذا ولم يُكملوا عامين في الحكم ربما! أضِفْ لذلك عدم وجود برنامج سياسي وآلية للحكم لديهم، حتى وصل الأمر إلى سيطرة العرب وتهميش أهل البلد الأصليين، مما أضعف موقفهم كثيرا في الحرب الثانية والتي خرجوا منها خاسرين. وهذه التصرفات وغيرها تُظهر وبوضوح مدى العبثية واللامسؤولية التي تتفنّن بها تلك التيارات، وكأنهم جالسون في لعبة شطرنج! وهنا نتساءل من يتحمل إثم ذلك؟

نفس الأخطاء تكررت في أفغانستان قبل ذلك، ولا أريد الإطالة هنا لكثرة ما قيل فيها، وبالإمكان تطبيق نفس الملاحظات السابقة لتخرج بصورة واضحة أخرى من العبثية التي أستطيع أن أقولها وبكل ثقة، بأن تصرفات القاعدة أثناء فترة حكم طالبان وبعدها قد أضرّت ضررا تاريخاً بجميع بلدان وقضايا العالم الإسلامي قاطبة! بدءا من أفغانستان وباكستان وكشمير ومرورا بقضية المسلمين فلسطين، وانتهاء بالمغرب العربي، ولا يتحمل إثم ذلك سوى أولئك العبثيين ومن برّر لهم وعاونهم على ذلك العبث الساذج.

خلاصة الأمر في الحقيقة أنني لم أرَ نقدا فعليا تفكيكيا لفكر تلك التيارات، يجمع بين البُعد الشرعي والفهم السياسي لخطورة تلك التصرفات غير المعقولة! حتى إن عددا كبيرا من الإسلاميين قد لا يُدرك مدى هذه الخطورة وتوابعها، وهو انعكاس - ربما - لتقدير البعض للمشتركات بين أبناء التيارين السلفيينِ الجهادي والتقليدي، وعدم استيعاب مدى خطورة تلك النتائج وتوابعها، وهو أيضا انعكاس آخر لمدى الضعف في المعرفة السياسية والثقافية التي سببها الجمود ومحاربة النقد والتجديد! ولكن الوقت قد حان للنقد الجريء والبناء، لماذا ينتشر التطرف؟ وما أسبابه الحقيقية بكل تجرد وحياد.