خلقت الثورات العربية دروساً عربية في السقوط!
السقوط من الأعلى، حيث البروج العالية، إلى الأسفل حيث الطبقات الكادحة المعدمة المظلومة التي تقاوم وتكافح من أجل قوت يومها وحريتها واتخاذ القرار والمصير.
ولم تدرك تلك الأنظمة السياسية الساقطة سلفاً أنها ليست بمنأى عن السقوط السياسي، بل اعتمدت على العلاقات الدولية، وإشغال الشعوب بقضايا هامشية، معتقدة أنها تمسك بخيوط السياسة والمجتمع بيد من حديد.
وبالتالي أكّد الواقع السياسي للأنظمة العربية الديكتاتورية فشل تجربة وجود دولة الحق والقانون، بعد أن تم عزل المجتمع تماماً عن ممارسة حقوقه السياسية، وبالتالي انتفت سمة (المدنية) عن كثير من الدول العربية، بعد اتخاذ الحزب الواحد أسلوباً للحكم، وتهميش قوة الشعب، وهذا ما أدى إلى الانفجار.. حيث لم تستطع الصمود أمام الثورة.
إن تحقيق المجتمع لذاته لا يتأتى من خلال تهميش الشريحة الأوسع في المجتمع، وهي شريحة الشباب، بغض النظر عن انتماءاتهم للطبقات الكادحة أو البرجوازية أو الارستقراطية، والخلاصة هي أن لا أحد منهم رضي اعتباره جزءاً من قطيع في مزرعة، كما كانت تتصور تلك الأنظمة.
ومن خلال تجسيد الدولة البوليسية التي خرقت الثقة بين الإنسان وأخيه، وزرعت الخوف بين الناس بحجة الحفاظ على الأمن، حتى أضحت كلمة "أمن" مخيفة للجميع على اعتبار أنها تعني السجن السياسي! حيث لا حرية في التعبير، ولا في الشراكة السياسية والاجتماعية، فأقل الأمور تفاهة تدار بواسطة (النظام) الذي يدعي الديموقراطية، ولا أعني القانون، إنما أعني النظام السياسي، الممتد كأخطبوط يتحرك في كافة تفاصيل المجتمع.
وفي المقابل عملت الدول الأمنية تلك على نهب الثروات، والاستئثار بها في يد فئة قليلة من الناس ترتبط بالنظام، على حساب الطبقات الفقيرة، مما خلق شعوراً جمعياً بأن الشعب.. يريد.. إسقاط النظام.
لم يكن أحد يتصور مدى هشاشة وضعف نظام بن علي في تونس، والأمر ذاته بالنسبة لمصر، فكثير من المحليين وقتها كانوا يرددون أن مصر ليست تونس، وأن ليبيا ليست مصر، وأن اليمن ليس ليبيا، لكن الواقع أثبت أن كلاً من هذه الدول ليست بمعزل عن مصير تونس.
الدور الآن على سورية التي تعتبر القضية الأكثر تعقيداً، نظراً لتشابك المصالح الدولية بين إيران ورجالاتها في المنطقة من جهة، وبين روسيا والصين من جهة أخرى، وكذلك خطورة الوضع المتفجر في منطقة الشرق الأوسط على جوانب عدة. لكني لا أظن الأمر سوف يستمر أكثر من ستة أشهر قادمة.. فالسقوط المدوي للنظام يلوح في الآفاق قريباً.. مع العلم أن المرحلة الأصعب هي مرحلة ما بعد انتصار الثورة!
فأي متابع للأوضاع في سورية يرى أن الأزمة التي خلقها نظام الأسد لن تكون سهلة أبداً. فهي ليست أزمة سياسية دولية فقط، بل أزمة فساد مستشرٍ على مدى أربعة عقود، على المستوى الاقتصاد والاجتماعي والتربوي، منذ أن استأثر الأسد الأب بالحكم في الجمهورية العربية السورية.
وقد عزف النظام طويلاً على وتر مقاومة الاحتلال، في الجولان وفلسطين وكافة البلدان العربية، لكن هذا الشعار كان بهدف تخدير الشعب واكتساب دور البطولة أمامه، على الرغم من عدم انطلاق رصاصة واحدة منذ سبعينيات القرن الماضي، كانت خلالها سورية دولة مخابراتية بامتياز، وها هي تجني الثمن اليوم.
بدأت ثورة الشعب السوري منذ عام ولن تتراجع أبداً. لا سيما والعالم كله الآن يرى كيف يتعرض الشيوخ والنساء والأطفال لأبشع أنواع القتل.. ومع ذلك قال الشعب كلمته النهائية: حرية وبس!
فالعقل الذي انتزع الخوف من القلوب، لن يعيده إليها ثانية، ولو حاول النظام إعادة زراعته ثانية بشتى العمليات والطرق؛ من أجل استجماع القوة لاستعادة الموقع السابق للديكتاتور، حين كان مسيطراً على المجتمع ببث الخوف في القلوب والأذهان والحناجر، ولكن الخوف حين يتبدد لن يعود أبداً!
فها هي القلوب في الصدور العارية تتعرض يومياً للقتل دون وجل، وها هي الحناجر تنادي كل صباح ومساء بسقوط النظام، الذي لا يدرك أنه يعزف للثورة بصوت الرصاص.
والفكرة المهمة في عالم اليوم هي كيفية تحقيق الحرية والعدالة، رغم القمع، وهذا ما اتجهت إليه الشعوب العربية في بلدان تدعي الديموقراطية، منذ العام الماضي، مدعومة بشكل مطلق من الدول الغربية التي اتضح أنها لن تقف موقف المتفرج، أو عدم التدخل في قضية قمع الشعوب، كما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن؛ ولذلك لن يستمر الدعم الروسي والصيني للنظام السوري إلى ما لا نهاية.
لقد أثبتت هذه الدول أن مشكلتها الرئيسية تكمن في نظامها السياسي، الذي تجسده الدولة الأمنية (المخابراتية)، وأنه حين يعتدل هذا الاعوجاج، يستقيم الأمر كله. ولذلك لن يكن هناك مفر من الديمقراطية الحقيقية فهي الأساس لتقويم الاعوجاج، ولا يوجد بديل آخر يمكن من خلاله تحقيق الجودة التي تحققها الديمقراطية.
أما المفتاح الأهم لأمن أي مجتمع، فهو تحقيق العدالة الاجتماعية على المستوى الرأسي والأفقي، ورغم الصعوبة التي يشعر بها المواطن العربي في هذه البلدان إزاء مثل هذه الكلمات (الحرية، الديمقراطية، العدالة الاجتماعية) إلا أن تحققها ليس مستحيلاً، إذا ما قُرئت تجارب الأمم والشعوب السابقة بعناية، فكل الأمور العظيمة تبدأ بفكرة.