كتبت مقالين عن مهرجان الجنادرية الوطني للتراث والثقافة قبل هذا المقال، تناولت في الأول أهمية مهرجان الجنادرية، وكيف كان بالفعل قلعة صمود وتصدٍ حصينة، حمى تراثنا الوطني والثقافي من محاولة تغييبه أو اندثاره. والثاني كان بسبب إدخالهم الفرحة والبهجة والسرور لقلوبنا في زمن بدأت تعز فيه الفرحة وتضمر، حتى كادت تغيب وتتلاشى البسمة فيه عن وجوهنا، وحاولوا قدر جهدهم الحفاظ عليها مرتسمة على وجوهنا، ولو بشكل موسمي.

وكانت الجنادرية بالفعل حصن صمود وتصد لحماية تراثنا وموروثنا التاريخي من الاندثار أو التغييب، وذلك بسبب التنمية المتسارعة التي نمر بها من جهة، ومن جهة أخرى، بسبب حاملي الأجندات الخاصة المفضوحة المندسين بيننا. وهم الذين أرادوا اختزال تاريخنا وتراثنا وموروثنا الوطني، بالجهاد والدعوة للجهاد والاستعداد للجهاد وما يهيئ للجهاد من دعوات ومخيمات ومناشط دعوية جهادية، عرفنا نتائجها الكارثية على شبابنا وعلى وطننا وعلى سمعة وطننا، التي لولا الله وحكمة قيادتنا الرشيدة، لكان وطننا الآن جراءها يعيش في خضم حروب ومجازر طاحنة لا يعلمها إلا الله، مع كون الجهاد يمثل ركنا مهما من عقيدتنا، وهو ما ترعاه الدولة الآن بكل حرص وأمانة، من خلال بناء قوات مسلحة وحرس وطني وأمن فعال، ترتقي استعداداتها لمصاف القوات المسلحة للدول المتقدمة عدة وعتادا وتسليحاً وتجهيزاً، وفوق كل هذا وذاك، تدريباً وتعبئة دينية ووطنية ومعنوية.

والحرس الوطني، لكونه حرسا وطنيا وضع على كاهله حراسة الوطن، كل الوطن، بكل مكونات الوطنية من بشرية ومادية ومعنوية (تراثية وثقافية)، من أي اعتداء عليه، سواء أكان مقصودا أو غير مقصود، من الخارج أو من الداخل، ولذلك فلم تغب عن بال قياداته الوطنية، أهمية فكرة التنمية المستدامة وهي الحفاظ على التاريخ والموروث الوطني، وحراستها وجعلها جزءا من مهماته الوطنية التنموية النبيلة، قبل أن يظهر مصطلح التنمية المستدامة ويصبح متداولاً عالمياً، حيث إن فكرة إنشاء مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة والاستعدادات له بدأت قبل أول سنة يفتتح بها المهرجان رسمياً عام 1986، على يد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز رحمه الله.

وقد أتت فكرة إنشاء مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة من قبل الحرس الوطني، كخطة وطنية استباقية، حيث هي جزء من العبقرية العسكرية، والتي منها الاستعداد للخطر القادم قبل أن يأتي وتلافي مخاطرة الكارثية والخروج منها بالنصر أو على الأقل بأقل الخسائر، مع الحفاظ على القدرة على الهجوم المعاكس. وكان الخطر القادم آنذاك على تراثنا وثقافتنا الوطنية آتٍ من جهتين: الجهة الأولى، وهي بالطبع غير مقصودة والمتمثلة بخطط التنمية الوطنية السريعة والمتسارعة والتي كادت تزيح من أمامها كل معلم تراثي وطني أو ثقافي، بسبب عمليات تحديث البنية التحتية للمدن وحتى للهجر والقرى، وذلك لغياب مفهوم التنمية المستدامة من مصطلحات التنمية في العالم أجمع، والذي لم تكن المملكة وحدها من تأثرت من غيابه.

والجهة الثانية والتي أتى منها خطر فادح على تراثنا الوطني والثقافي هي ما سمي آنذاك بالصحوة. حيث شن منظروها وحركيوها وأتباعهم حملة شرسة ومستدامة، مقصودة ومخططا لها ومدروسة، والتي كان من أول أهدافها إلغاء شخصية المملكة الوطنية من خلال إحداث قطيعة معرفية بين الجيل الجديد وموروثه الثقافي والوطني والذي أطلقوا على الكثير من معالمه التراث أو الإرث الجاهلي. وليس ذلك نابعا من حرص على الموروث الإسلامي، وإنما هو جزء من إستراتيجية الأرض المحروقة، والتي يقومون من خلالها بإحراق كل ما يجدونه أمامهم من تراث وثقافة وطنية، لاستبدالها بأرضية موالية لهم لا للوطن ولا لقيادته الوطنية الشرعية، ليجعلوا المواطنين يعيشون وسط قلاع استنفار دائمة ومرعوبة من أعداء وهميين في الخارج والداخل وحتى من مجاهل الماضي السحيق، الكل منهم يسنون سيوفهم الحادة والمسمومة استعدادا للانقضاض عليهم. فانتشروا بقضهم وقضيضهم في كل مؤسساتنا الرسمية وغير الرسمية، ليطمسوا ويزيلوا منها كل ما للوطن ويزرع الوطنية لدى المواطنين أو يبث السعادة في نفوسهم، حتى في الأعياد والزواجات، وحولوها لمعسكرات مآتم ونواح استعداداً للهجوم والحرب على الأعداء الوهميين، حتى فقد كثير من مواطنينا توازنهم الوطني والنفسي وصاروا يقاتلون الأبواب والشبابيك.

وفي ظل هذا التخبط والانتحار النفسي والذهني شبه الجماعي، حسبنا من جورها وشراستها، أن شخصيتنا الوطنية قد ذابت وتلاشت وابتعدت عنا، لتطل علينا الجنادرية كل سنة، كجرعات موسمية لتحصين شخصيتنا الوطنية من وباء الإيديولوجيا وتعيد شيئا من توازننا الوطني والنفسي لنا، وتقول لنا بكل حنو وحب ووطنية " لا تثريب عليكم، فشخصيتكم الوطنية ما تزال هاهنا، محفوظة ومصانة وبحماية أياد وطنية شريفة لا يمكن المزايدة على وطنيتها أو حتى مجرد التشكيك في نبل مقاصدها وإخلاصها للوطن ومواطنيه، ودفاعها عنهم شكلاً ومضموناً".

فحراس قلعة الجنادرية الأشاوس للصمود والتصدي والدفاع عن تراثنا وثقافتنا الوطنية ومن يديرونها، هم من جعل حماية الوطن، كل الوطن، مسؤوليتهم الوطنية والدينية بكل مكوناته البشرية والمادية والمعنوية من تراث وثقافة، حيث تطل علينا الجنادرية كل سنة كحديقة غناء نتجول بين أغصانها ورياحينها، المنتشية بعبق الماضي والحاضر، بكل أمن وسلام، لتشيع في نفوسنا الفرح والسرور والأمل ولترسم الابتسامة على وجوهنا، التي كدنا ننساها، نحن وزوجاتنا وأطفالنا، وتقول لكل منا "ابتسم فأنت سعودي، وتراثك ضارب بجذور التاريخ"، فتخفف عنا عبء الحياة وروتينها الممل. فهل هنالك أنبل ممن يشيع البسمة في وجوه الناس ويبعث الثقة في نفوسهم؟ فشكراً لكم أيها الجنادريون النبلاء، فكم أنتم حقاً رائعون، بحراستكم حتى حق وجوهنا بأن تعلوها الابتسامة والمحافظة على توازن نفسيتنا البشرية والوطنية. إن ثلة من الغلمان، جربوا حظهم التعيس، هذا العام، في قرع جبال حصون الجنادرية الصامدة لأكثر من ربع قرن، وكانوا مدفوعين هذه المرة، ببقايا خلايا الصحوة المنهارة النائمة والتي تخلى عنها الكل حتى قيادييها وحركييها المؤدلجين. وهذا إنما هو فضح لغبائهم الموغل بوحل الغباء، هم ومن دفعهم من أصحاب الأجندات الشخصية الضيقة. فشكراً لكم أيها الجنادريون للمرة الـ"27" على صمودكم ودفاعكم عن تراثنا وثقافتنا وشخصيتنا الوطنية بشكل عام، وسعادتنا وابتساماتنا كذلك. وشكرا لك يا خادم الحرمين الشريفين، يا من بنيت لنا وحصنت ورعيت قلعة صمود وتصدي تراثنا وثقافتنا الوطنية. وشكراً لابنك الفارس المستنير صاحب السمو الملكي الفريق أول ركن متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز، رئيس الحرس الوطني وعضو مجلس الوزراء؛ فخير من استأمنت يا خادم الحرمين للحفاظ على تراثنا وثقافتنا هو القوي المستنير. والشكر موصول من كل قلوبنا لكل من ساهم وعمل على إنجاح مهرجان الجنادرية، قلعة الصمود والتصدي الشامخة للحفاظ على تراثنا الوطني والحضاري من عسكريين ومدنيين.