علوي طه الصافي أديب شديد العناد المعزز بروح الكفاءة، اتسم خطابه في مرحلته بالحيوية والكتابة اللافتة, والمنجز المتمرد على الذهنية التقليدية والمناخ الفكري السائد في لحظته الزمانية والمكانية, كان يحتل مكانة واسعة في المنجز الصحفي في بلادنا من خلال انشغاله بالهم الثقافي والفضاء المعرفي، انغمس داخل وعي الكتابة حتى ظننت أنه لن يبرح ذلك المقعد ولن يغادر تلك المنصة، ولكنه في غفلة من الزمن يباغتنا بالانتقال من الضوء إلى مغيب الضوء، ومن صخب الحراك والسجال المحتدم إلى صمت الرحيل المحير والانقطاع المفاجئ، ومن نضارة الحضور وتجليات الصحو والاحتشاد المبهر، إلى السكون المكتظ بالدهشة والقلق، أين علوي الصافي؟ مشعل الحرائق ومؤججها ومخترع الأسماء الوهمية والمستعارة, والتي كما يقول الأديب عبدالله الماجد (يدعها تفجر قضايا قابلة للنقاش وفي أحيان يرد عليها باسمه الصريح، وقد تمكن بذلك من إذكاء الحياة الراكدة والخاملة بل أسهم في بروز أسماء لمعت في حياتنا الأدبية والصحفية) هذا ما قاله الماجد ويقصد به ذلك الاسم المستعار (مسمار) والذي أحدث زلزالاً ضدياً وخلخلة عاصفة في بنية الخطاب الذهني الراكد، وأوقد مواجهات مثمرة بالخصوبة والارتواء، وألهبت شحنته نسيج النمطية المستهلكة والصادمة، سعياً لممارسة المفهوم الأحدث والإنقلاب التعبيري في شكل الكتابة ومضمونها، ولم يكن مسمار وحيداً يمارس سطوته ويخوض معاركه، ولكنه وظف ضمن سجالاته والتفاتاته المموهة امرأة تسير معه كحضور أنثوي فاعل، منتصراً لها من الحيف الذكوري فجعلها تجادل بعنف ضد طمس مقوماتها الاجتماعية والتاريخية والثقافية، وأطلق عليها واخترع لها اسم (ليلى سلمان) بمواصفات إبداعية تثير الشك نظراً لجاهزية النموذج كلغة ووعي، مما أثار التراشق النقدي والتلاسن السجالي وحرارة الخصومة، فقلة الكاتبات في تلك المرحلة كانت مبرراً للصراخ والبحث عن ذلك الاسم الملتبس والممتلئ بالنضج والانفتاح على عوالم إبداعية، وتقنيات تعبيرية مضادة للسائد والمعتاد. أعود لطرح الأسئلة مرةً أخرى أين علوي؟ وهل سقط من ذاكرة الأجيال الراهنة؟ أين اختفى ذلك الفارس الغاضب كما أظن؟ وهل نتركه نهباً (للسبعين)؟ دون أن نقدم ما يليق به من تقدير كواحد من صناع الصحافة في بلادنا، ورائد من رواد الفعل الثقافي.
تتفق أو تختلف مع علوي ولكنك لا تستطيع شطبه وإقصاءه من حياتنا الثقافية والفكرية، يقول الناقد عبدالله الماجد (علوي الصافي حقوقي في معظم تعاملاته الشخصية، يؤثر الحقيقة والصدق ولا يقبل لهما بديلاً، وفي ظني أنه عانى بسبب هذا الإيثار، ولا أعتقد أن علوي قد خسر نفسه بل لقد كسب أجمل ما في النوازع الإنسانية).