في كل يوم تتكاثر تلك النماذج البشرية التي تتبنى نظرية "معاهم معاهم.. وعليهم عليهم". هؤلاء هم نتاج ذاكرة وذهنية جمعية. وهو ما يفسره جوستاف يونج باللاشعور الجمعي في نظريته التي تقول: "ترتبط الذكريات البشرية في منطقة اللاشعور لمجتمع كامل في نظام واحد يؤثر بصورة غير محسوسة في تصرفات الناس "ميول مشتركة لتشكيل رموز معينة". هذا النظام عامل محرك أولي لجماعة بشرية كبيرة أو صغيرة. تلك الجماعة تكره أشياء وتحب أشياء بشكل جمعي غير محسوس".
الأشخاص أو العقول التي تنتجها ذهنية النظام الذهني الواحد (معاهم معاهم.. عليهم عليهم) إلى أي حد ستنسجم مع متغيرات العالم الخارجي في مجتمع يتحرك في قلب المتغير؟ هذا السؤال هو الذي يأخذنا إلى الإجابة عن كل الصراعات التي تحدث تحت السطح وفوقه في هذه الفترة من حياة المجتمع.
علاقتنا مع العالم الخارجي تتولد من علاقتنا مع ذواتنا، ولكن هذه العلاقة تصبح خطرة حين تتحول إلى سلوك بشري خطر أو سيئ، بمعنى أنها محكومة بردود أفعال مسبقة، ليس لأننا مقتنعون بها، بل لأن الآخرين خلقوا لنا هذه القناعات، فنحب ما يحبون ونكره ما يكرهون، ونخاف ما يخافون. هذا السلوك لم يعد سلوكا "كامنا"، بل أصبحنا نراه ونحسه في الشارع، في العمل، في "تويتر"، في القنوات الفضائية.. ولأنه لم يعد كامناً فإنه لم يحدث بين ليلة وضحاها، فهذا الكبير البالغ الذي أصبح يحب ما يحبون، ويكره ما يكرهون، هو ليس إلا ذلك الطفل الذي كبر ومعه مفاهيم مسبقة لذات تحمل انغلاقها على القناعات التي كبرت معه، وأصبح لا يجيد التقدم إلى مناطق شعورية أو فكرية أخرى بحيث لم يعد بإمكانه إلا الدفاعات الصلبة لكل ما انغلق عليه.
هكذا تدخل الأفكار الجمعية تلقائياً في وعي الشّعوب ووجدانها، ثم في التّركيبة الاجتماعية، والفردية فتصبح فيما بعد عبارة عن مسّلمات لا يمكن تجاوزها أبداً، وهذا يمنعهم تماما من رؤية الصورة الكبرى، بحيث يعجزون عن رؤية السيناريو بالكامل.
إننا اليوم في مرحلة من حياتنا الاجتماعية تجعلنا ننظر للعالم حولنا ونسأل الكثير من الأسئلة، مثل:
لماذا يجب أن تكون حياتنا كلها "سيناريو" موحدا كتب لنا؟
لماذا لا نفهم إلا القليل عن: لماذا نحب هذا الاتجاه؟ أو لماذا نكره هذا الاتجاه؟
لماذا هناك الكثير من الصراع والمعاناة في ذهنيتنا الجمعية؟
بالتأكيد أن البرمجة العقلية "الآنية والمكانية" لم تتح الكثير من الوعي لينفتح العقل على إمكانات واحتمالات أكبر بكثير، أو أشمل بكثير، لأننا جميعاً قد تمت برمجتنا عن طريق رسائل ومعتقدات وأفكار كانت تُردّد على مسامعنا باستمرار في الصغر، من آبائنا، ووسائل الإعلام، ومن النظام التعليمي، جعلتنا اليوم نصطدم بتناقضات العالم من حولنا، وها هي الجماعات ذات السيناريو الواحد تنشد اليوم الوحدة والانسجام وسط كل التناقض والفوضى، ويظل الراهن على من يعيد صياغة السيناريو الذي تبناه.