استكمالا لما تناولته في المقالة السابقة حول اللغة الهابطة المستخدمة في الحوار الدائر بين المثقفين السعوديين في هذه الأيام، أجد على الضفة الأخرى حوارا مماثلا يدور بين السعوديين متصفحي المنتديات والصحف الإلكترونية وبقية شبكات التواصل الاجتماعي لا يخلو من نفس التهمة ومصابا بنفس العلة.
وإن كنت في المقالة السابقة قد سجلت تعجبي ورفضي وعتبي على من هم محسوبون على أنهم من أهل الدين والصلاح أكثر من غيرهم كونهم انصرفوا عن الهدي النبوي في لغة الحوار والمجادلة والدعوة فالحالة نفسها تتكرر هنا من طرف يبدو من فحوى ردودهم والمواضيع التي يتحمسون للرد والتعليق عليها والعبارات التي يكتبونها أنهم من المتدينين لكنهم أيضا يقعون في نفس العيب والخطأ، إذ يغلب على عدد ليس بقليل منهم شتم من يختلفون معهم بألفاظ بذيئة وساقطة لا يمكن لمسلم عاقل يدعي الحمية والغيرة على الدين أن ينطق بها.
ولعل السمة المشتركة بين هؤلاء في ردودهم مع من يختلفون معهم في الرأي حتى لو كان الموضوع مثار الخلاف رياضيا أو فنيا أو عاما هو السخرية بأصل الشخص المختلف معه أو حوله، ولهذا ما أكثر ما تتردد في مثل تلك الردود والتعليقات عبارات تقطر بالعنصرية وتتعارض مع قيم الإسلام ومبادئه على وزن: "هذا ما عليه شرهه لأن أصله غير سعودي، وهذا أصله مش سعودي، وهذا متجنس، وهذا طرش بحر، وهذا من مخلفات الحجاج" وما إلى ذلك من العبارات التي ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية نهي عظيم عنها: "ياأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون".
تلك اللغة التي تبحث بشكل سريع عن أصل الخصم والموقع الجغرافي الذي ولد فيه، أو جاء منه، من المؤكد أن صاحبها عاجز عن مقارعة فكر وآراء الخصوم ولهذا يقفز إلى ما ليس له علاقة بالحوار، ففضلا عن أن هذا المنهج مرفوض شرعا من أكثر من وجه فإن الغريب أننا نحاول أن نظهر أن السعودي لا يمكن أن يخطيء أو يعصي أو يشذ في رأي أو فكر أو معتقد، ولهذا عندما يصدر فعل أو قول مرفوض من شخص ما يحمل الجنسية السعودية سرعان ما يبحث أصحاب التعليقات والردود عن أصل ذلك الشخص سواء كان لاعبا أو ممثلا أو كاتبا أو مسؤولا أو مثقفا للطعن فيه، خاصة إذا كان الموضوع له علاقة بالدين، إلى درجة أن بعض الدعاة وطلبة العلم لم يسلموا أيضا من نعتهم بصفات غير مقبولة أو (تعييرهم) بأصول ذويهم أو بلونهم يوم أن عبروا عن آراء ليس لها قبول عند أصحاب تلك التعليقات والردود.
بقي أن أقول إنه بمثل ما نرفض أن تكون وحدة القياس للحكم على أقوال الناس وأفعالهم أصولهم وأنسابهم فإن الأنساب والأصول أيضا لن تنفع أحدا عند لقاء الله تعالى وفق ما ورد في القرآن الكريم وفي الأثر.. "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يؤمئذ ولا يتساءلون".. "من أبطأ به عمله, لم يسرع به نسبه"، "لا يأتيني الناس يوم القيامة بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم".