يقول لي وأنا المفتون المجنون في قفشاته وتعليقاته اللاذعة والساخرة: لماذا لا نبني لأبناء هذا الشعب مطبخا مركزيا عملاقا في نقطة – ما – تتوسط الخريطة الوطنية ثم نربطها (بسيور) كهربائية تنقل ثلاث وجبات في اليوم الواحد إلى شتى المدن والأرياف حتى نضمن أن تصل الوجبة إلى كل شارع ومنزل، تماما مثلما تصل أسلاك الكهرباء ومواسير الماء؟ لماذا لا نطلب من أبناء هذا الشعب الكريم أن يريحوا ويرتاحوا وأن يناموا مطمئني البال والخاطر حتى الثانية ما بعد الظهر ثم يستيقظوا على هدير – السير – الكهربائي القادم بوجبة من المطبخ الوطني المركزي طالما أن كل شيء في الحياة الفكرية والثقافية والإعلامية والتعليمية يتحول إلى قصة وطنية مجلجلة وطالما أن بين أبناء هذا الشعب من يشحذ همم – البين – الآخر بخطورة وفساد وفسوق كل شيء من الأحداث والأيام والمهرجانات والمعارض والمناهج والأسواق والوظائف النسوية في القطاعين العام والخاص. طالما أنهم ينظرون بعيون الشك والارتياب لكل فعل ثقافي أو اجتماعي أو اقتصادي أو إعلامي وطالما أن كل فعل، عدا الأكل والنوم، في هذا البلد يتحول إلى قضية تحريم وتجريم لا تقبل إلا بمثلما تدبر من الإنكار والرفض ودمج البيانات المطنطنة التي تحتشد لها عشرات التواقيع التي تحذر من خيوط المؤامرة ومن أفكار التشريق والتغريب. لماذا أصلا نفتح هذه الأيام والمهرجانات والمعارض إذا كانت الغالبية العظمى من أبناء هذا الوطن الكريم، ومثلما تقول كل بيانات التوقيع، تخاف على نفسها وعلى هويتها من هذه المؤثرات الثقافية في الفكر والثقافة والإعلام والتعليم والاقتصاد، بل كل شيء في تفاصيل حياتنا اليومية والشهرية والسنوية؟

لماذا بعد كل هذه التجربة الطويلة من تجربة كل شيء لا نعود إلى تجربة حياتنا الأصل قبل أن نضيف لها هذا الترف الحضاري الذي استوردناه من بقية الشعوب: لماذا لا نأكل ثم ننام فحسب، ثم ننام لنصحو كي نأكل؟ لماذا لا نأكل لنعيش أو نعيش لنأكل طالما أن مجرد هذين – الفعلين – هما الأنسب والأصلح لنمط حياتنا وطالما أن أي خروج عن أفعال (الأكل والنوم ) قد تخرجنا جميعا عن هذه الخصوصية التي تهدم قيم هذا الشعب وتأخذه إلى الانحراف الثقافي والاجتماعي والعقائدي. الأكل والنوم، ووحدهما، كفيلان بإبقائنا على الفطرة وكفيلان أيضا، عبر هذا المقترح في المطبخ المركزي الوطني، ببناء جدار يعزل عن هذا المجتمع غارات الأعداء ودسائس المتربصين وحبكة أصحاب المؤامرات والغزو الفكري. نحن ولله الحمد، لدينا من المال والخير، ما يكفي لتشييد أعظم مطبخ مركزي عرفه التاريخ مثلما يكفي لثلاث وجبات يومية كريمة فلماذا نبذر هذا المال ونهدره في ما يسمى عبثا بالأفعال الثقافية من مهرجانات وندوات ومعارض ومنتديات وإعلام وتعليم طالما أنها القنوات المسمومة التي ينفث منها الأعداء وينفذون عبرها إلى خصوصيتنا ويهدمون منها قواعدنا الأخلاقية؟

لماذا لا نحرج كل هذا العالم المتربص من حولنا بأن نقفل في وجهه كل هذه المنافذ إذا ما نحن استيقظنا لنأكل ثم نأكل بعدها لننام. فكرة المطبخ الوطني المركزي هي أن تقفل كل الغوائل: أقمنا المنتدى الاقتصادي الشهير وحين وجهنا الدعوة إلى "كلينتون" للحديث اكتشفنا أنه أرسل زوجته كي تقف أمام شنباتنا على المنصة وفي العام الذي قبله دعونا مارجريت تاتشر فاكتشفنا أنها جاءت دون محرم لأن السيد – دينس – تعذر عن مرافقتها بعذر نزلة معوية. نحن الاقتصاد العاشر في الكون فلماذا نحتاج في الأصل إلى منتدى اقتصادي. أقمنا معرضا للكتاب بأربعة ملايين عنوان فكانت الكارثة من جحرين لا من جحر لمرتين: الأولى، أننا اكتشفنا بضعة عشر كتابا من بين هذه الملايين وقد سربتها الإمبريالية وقوى الاستكبار العالمي لزعزعة قيمنا والتآمر على ثقافتنا مثلما اكتشفنا أن معرض الكتاب يدعو بعض المثقفين الذين لا نملك الأدوات بعد، لنقاشهم وحوارهم فلماذا نفتح هذا النقاش المزعج طالما أننا حتى اللحظة لا نملك في وجهه حجة مضادة؟ لماذا هذا الهيلمان والاستعراض بعبث مهرجان الكتاب طالما أن بضعة كتب مقررة تكفي لأن يقرأ هذا الشعب في فترة الانتظار للدجاجة كي تصل عبر السير من المطبخ المركزي. الثانية، أننا اكتشفنا أن المرأة تتسوق وتشتري من معرض الكتاب بعد أن تخرج من "المول" الضخم المجاور وشتان ما بين السوقين. أقمنا ما سمي باليوم الوطني مثلما لكل الشعوب من أيام وأحداث فاكتشفنا أن مثل هذا اليوم يلهي عن الهم الأممي ويصب في الخانة التي يريدها الأعداء لنا بأن يكون همنا وطنيا يلهينا عن جراح الأمة. فتحنا آلاف المدارس من أجل التعليم فاكتشفنا أن التعليم نفسه يحتاج إلى ركيزتي المناهج والنشاط وهما ثغرتان خطيرتان في هدم بناء الإنسان وفي تمرير ما يريده أعداء الأمة لولا غارات بعض المحتسبين على مكاتب الوزارة. فتحنا صحيفة جديدة فاكتشفنا أنها تستكتب جيلا جديدا من الكتاب الذين يكتبون ما لم نألفه من كتابات الرعيل الأول. أقمنا مهرجانا للتراث والثقافة فاكتشفنا بضعة وعشرين شابا يرقصون في دهاليز المهرجان وكان الخوف المشروع من هؤلاء أن يحولوا المليون زائر إلى فرقة رقص.

والخلاصة أنني صاحب البراءة في اختراع فكرة هذا المطبخ الوطني المركزي في السطر الأول بعاليه مثلما أنا مؤمن أن هذا الاختراع العظيم وحده هو اللقاح الكافي لتحصين أبناء هذا الشعب من كل اختراق ثقافي ومن كل غزو فكري يهدد قلاعنا وخصوصيتنا التي لن يجد أعداؤنا بعدها من وسيلة للنفوذ والنفاذ حين نلجمهم بأننا ننام ونأكل، نأكل ثم ننام وبعدها لن يكون لدينا من الهواجس والمخاوف إلا أن تصل إلينا عبر هذا المطبخ المركزي دجاجة مسمومة.