• أنت! أنت يا من يسمي الغرب "الآخر"، ويسمي الشرق "الآخر"، ومتبعو الديانات الأخرى تسميهم "الآخر"، ثم تسمي من لا ينتمي لطائفتك أيضاً بـ"الآخر"، وأخيراً تسمي من لا يتفق مع رأيك ولا يمتثل لك ويطابق نهجك، بالرغم من كونه شريكك في الوطن والديانة وحتى في الطائفة، أيضاً تسميه "الآخر"، فمن تكون بالله عليك؟! وليس هناك من مشكلة في كلمة "آخر" لو كانت دلالتها عندك تعني "الموازي"، لكنك تعرف تماماً أنك تعني بها "الخاطئ"، وكل الحوارات التي تدخلها وتقيمها، تأتيها من قبيل تصويب العالم وسحبه للحق الذي تراه أنت، وليس البحث عنه، فأي كارثة هذه هي التي جعلتك ترى أنك أصل العالم والحقيقة والأشياء!

• أنت! ألم تملأ السنوات الماضيات بالكلام الطويل العريض عن الوسطية والتسامح والصفح والانفتاح على الثقافات والشعوب الأخرى، وقدمت نفسك وكأنك الذي يتسع قلبه لبني البشر أجمعين، وتربعت في مؤتمرات الحوار، وإذا سافرت للخارج فوجهك يكاد ينقسم نصفين من الابتسامة والعناقات! فلماذا حين يتعلق الأمر ببني جلدتك وأبناء وطنك "تطيح" كل هذه الإكسسوارات، وبدلاً عن الحوار والحكمة واللين، يطفح فمك بكل أشكال السباب والتخوين والاتهام والتهديد والطعن في الأعراض والأخلاق. كم أنت مزعج ومدّعٍ ومتناقض يا عزيزي. آسف لكن هذا ما تفعله بالضبط، وكم مرة ترسب في المحك الداخلي نفسه!

• قال المفكر التونسي (فتحي سلامة) إن "هنالك مفهومين للهوية: مفهوما سطحيا، بمعنى أنا لست الآخر، ومفهوما عميقا، بمعنى: لا وجود للأنا إذا لم يكن متضمنا الآخر"، ثم يرى أن مقومات الهوية السطحية ثلاثة: (اللغة، والدين، والقومية. والطموح إلى الجمع بين هذه العوامل مجتمعة هو الذي كون مفهوم السلطة بجميع أنواعها، وكون أيضا الخضوع إليها، في العالم العربي).

• يبدو أننا في مواجهة أزمة حقيقية وشديدة الاحتقان، وهي تتراكم وتنمو باطراد، ومن وقتٍ إلى وقت تنفجر مرة على شكل ديني، ومرة على شكل طائفي، وثالثة على شكل عنصري...إلخ، دون أن يكون هناك أي قانون حازم يجرم التكفير والطائفية وكل أشكال العنصرية...إلخ، ولا أفهم لماذا يوغل الناس في استعداء بعضهم على هذا النحو، وكل هذا الزمن، عجب!