رفعت "الهيئة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق في الجمهورية العربية السورية" تقريرها يوم الأربعاء الماضي (22 فبراير) الذي يؤكد ارتكاب "جرائم ضد الإنسانية" في سورية خلال الأشهر الماضية، ويلقي تقرير الهيئة التابعة للأمم المتحدة بالمسؤولية عن تلك الجرائم على القيادة السورية بشكل رئيسي.
ومن المقرر أن يعقد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اجتماعاً في جنيف الأسبوع القادم مخصصاً لمناقشة تقرير الهيئة والتوصية بشأنه.
وكما هوم معروف فإن تعبير "جرائم ضد الإنسانية" يُستخدم منذ ما يزيد عن قرن من الزمان، ولكن تعريفه الدقيق كان مثار جدل قانوني حتى وقت قريب، على الرغم من استخدامه بشكل واسع، خاصة في محاكمات نورمبرج التي حوكم فيها قادة ألمانيا النازية بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.
وما زلت أذكر الخلافات حول هذا الموضوع عندما بدأت العمل في هذا المجال من القانون الدولي لأول مرة في عام 1987، إذ كان ثمة جدل حول صعوبة تطبيق مفهوم واسع مثل "جرائم ضد الإنسانية" في المجال الجنائي، وكان الجدل يمتد إلى ماهية ونوع معايير توصيف تلك الجرائم لكي يمكن تطبيق القانون بعدالة.
كان ذلك قبل أن يتفق المجتمع الدولي على تعريف هذا النوع من الجرائم، أما اليوم فإن الجدل قد حُسم، نظراً إلى أن مفهوم "الجرائم ضد الإنسانية" قد تم تعريفه بدقة في النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية التي تأسست في مدينة (لاهاي) في عام 2002. إذ يمنح النظام هذه المحكمة الاختصاص في جرائم الحرب والإبادة والجرائم ضد الإنسانية. وتُعرّف المادة (7) من النظام الجرائمَ ضد الإنسانية وتورد عدة أمثلة عليها، مثل القتل العمد، والاختفاء القسري، والتعذيب، والاضطهاد الديني والعرقي والسياسي، وذلك شريطة أن تكون تلك الأفعال قد "ارتكبت كجزء من حملة واسعة أو منظمة ضد المدنيين." وتشمل هذه الجرائم كذلك "أي أعمال أخرى غير إنسانية يتم ارتكابها بقصد إلحاق معاناة جسيمة، أو إصابة بالغة للجسم أو الإضرار البالغ بالصحة المادية أو المعنوية."
وتوضح المذكرة التفسيرية للنظام الأساسي للمحكمة هذا المفهوم بشكل مفصل، حين تقول إن الجرائم ضد الإنسانية هي جرائم بشعة بحق الجسد الإنساني ولكنها في الوقت نفسه ذات طبيعة خاصة، إذ تشكل اعتداءً جسيماً على الكرامة الإنسانية وتتسبب في الإهانة العميقة للإنسان أو تحطيمه معنوياً. وهي بذلك ليست أفعالاً منعزلة أو متفرقة، بل جزء من سياسة حكومية منظمة، أو جزء من ممارسات واسعة النطاق تمارسها الحكومة أو تتغاضى عن مرتكبيها.
هذا هو حُكم القانون الدولي في تعريف الجرائم ضد الإنسانية وتحديد شروطها وأركانها. فماذا عن وقائع الأحداث في سورية؟ وهل يمكن وصفها بأنها جرائم ضد الإنسانية؟
يُوثّق تقرير الأمم المتحدة الذي تم تقديمه الأسبوع الماضي وأشرتُ إليه في بداية المقال عددا من الجرائم التي ارتُكبت في سورية وينطبق عليها بكل دقة التعريف والمعايير التي ينص عليها نظام محكمة الجنايات الدولية، ويورد الأدلة على ارتكابها من قبل الأجهزة والقوات النظامية وغير النظامية. ويشير على وجه الخصوص إلى أربعة أجهزة ضالعة في ارتكابها هي الاستخبارات العسكرية، ومخابرات سلاح الطيران، ومديرية المخابرات العامة، ومديرية الأمن السياسي، بالإضافة إلى القوات النظامية في الجيش والبحرية وسلاح الطيران.
ويشير تقرير الأمم المتحدة كذلك إلى أن النظام قد قام باتخاذ خطوات لإبعاد المسؤولية عن أجهزته الرسمية في بعض الحالات التي ارتكبت فيها جرائم بالغة الوحشية، عن طريق الاعتماد على مجموعات خارج الهيكل التنظيمي الرسمي. وأحد الأمثلة التي يوردها التقرير هي استخدام أجهزة حزب البعث في عمليات خطف وقتل للمدنيين بشكل منظم يجعلها في عداد "جرائم ضد الإنسانية". ومن الأمثلة كذلك قيام بعض رجال الأعمال الموالين للنظام بتجنيد بعض الميليشيات المعروفة بـ "الشّبّيحة" لتنفيذ خطة النظام للقضاء على معارضيه. ووفقاً للتقرير، فإن "الشبيحة يجري تشغيلهم بشكل إستراتيجي يتم من خلاله ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وغير ذلك من الانتهاكات الخطيرة".
ولا يدع تقرير الأمم المتحدة مجالاً للشك بأن جرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت في سورية، هذا في وقائع الأحداث، وقد أشرتُ من قبلُ إلى أن النظام الأساسي لمحكمة الجنايات الدولية يصنفها بأنها جرائم ضد الإنسانية، ولهذا فإن الحقائق على الأرض، والمبادئ القانونية، معاً، يجب أن يدفعا مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، عندما يجتمع الأسبوع القادم في جنيف، لكي يحيل الملف السوري إلى محكمة الجنايات الدولية، دون إبطاء. ولا شك أن الملاحقة القانونية الدولية للمتهمين في تلك الجرائم ستساعد على تقديم المسؤولين عنها إلى المحاكمة، وتُرتّب على القوى الدولية مسؤولية، ما زالت تتردد في حملها، في المساعدة على وقف تلك الجرائم والقبض على مرتكبيها. ولعل تلك الملاحقة تكون كذلك عاملاً مساهماً في الحد من هذه الجرائم مستقبلاً، في سورية وغيرها، وتعزيز احترام قواعد وقوانين الحروب والنزاعات الداخلية.