سألني هل تعرف الشاعر "ساري" ؟!
أجبته: نعم .. أعرفه.
عاد يسألني: هل هو "فلان"؟!!
أجبته: أجل هو.. هو فلان!
فرد علي وتومض خلف عينيه ابتسامة ماكرة: ما شاء الله وش هالشعر المتدفق والذي أمطر عنده فجأة!!!
قلت: لطالما أشغلتني مسألة التشكيك في إبداع القادرين من علية القوم، موسرين أو أمراء أو مستوزرين. والمشكلة هي أن بعض الناس يربط دائماً بين الوجاهة ومخرجاتها، ليتم الطعن في كل متعلق بذلك من ثراء أو منصب أو إبداع.
صحيح أن المحسوبية والواسطة ربما تكون قد أسهمت في رفد وإبراز بعض من تسنموا مواقع لا يليقون بها.. لكن التعميم فيه ظلم كبير.
ولقد جنت المحسوبية وجارت الواسطة، لكن ذلك كله لا يلغي الجدارة عند الكثيرين.
كنت دائماً ضد تسطيح الموهبة والإبداع وربط كل المبدعين – كأمر لازم – بالمعاناة والفقر ونفي أي إبداع عن الغني والموسر، ومن باب أولى نفيه عن الأمير الذي نحسبه – دائماً – في حل وبمنأى عن المعاناة، وهذا بلا شك تصور قاصر.
وما زلت أرى أنه من حق الأمير والغفير والغني والفقير وصاحب المنصب في أن يعبروا وأن يبدعوا شعراً أو رسماً أو لحناً موسيقياً، لأن أياً منهم، مهما علا، فإنه يحس ويشعر، وبمعنى أوضح فإن الثراء والرفعة الاجتماعية ليسا بوليصة تأمين ضد المعاناة، وليس صحيحا أن الفقر وحده من ينفخ جذوة الإبداع، فكم من فقير يعيش في تصالح ورضا داخلي يغنيه عن هم المال، فالثراء وحده ليس سدرة المنتهى وإكسير السعادة، فكم من ثري أو أمير لا يستمتع بمعرفة الناس رغم تهافتهم عليه، لأنه لا يستطيع أن يمحص العلاقة الصادقة من الزائفة، ولا المحب الحقيقي من الوصولي الانتهازي، وعليه فإن بعض هؤلاء "العليين" مستهدفون هم أيضاً بالمعاناة بشكل أو بآخر.
لقد حاولت دائما أن أقنع بعض المتلجلجين بموهبة بعض أصحاب المكانة، مذكراً بأن الكتبة المستأجرين الذين يبيعون إبداعهم قد وجدوا ويوجدون في كل مكان وزمان، وأن زبائنهم من كل الأطياف والطبقات، لكن ذلك كله لا يسوغ التعميم، فهو الاستثناء. وأظن أن النظرة القاصرة التي تصادر حق الإبداع عند الأمير أو الوجيه لتماثل نظرة المأزومين من بعض إخواننا العرب التي تستكثر الإبداع علينا وتنسب كل مجد وإنجاز لعقدة (النفط) وتستنكف أن نجمع بين الوفر المادي والوفر الإبداعي، وستجد أن كثيرا منا في هذا الوطن يغضب من هذه النظرة الفوقية تجاهنا، لكنهم يمارسون نفس الشيء تجاه بعض أهلهم.
لقد أشاع اليساريون في زمن مضى أن الإبداع رهن للفاقة والكفاف وجعلوه قوت البوليتاريا، لكن الإبداع بكافة ألوانه ومضة تلمع ومضغة في الجسد قد تأتيك من سابع جد ولا ينظر هذا الجين الموروث إلى تاريخك المالي أو منصبك السابق أو اللاحق.. فبذرة الإبداع تنبت في الجسد، فإذا صقلت أصلها الثابت نمت وأثمرت.
كنت قبل سنوات في قصر صديق من علية القوم وكنتُ أسمع فيما أسمع أنه يقوم على تلحين بعض الأغاني لبعض كبار المطربين، فلما كنت تلك المرة في حضرته سألته إن كان قد لحن شيئاً جديداً، فرد علي بالإيجاب. فقلت له على الفور: لا تؤاخذني هل تعرف النوتة..؟ وهل تجيد العزف على آلة موسيقية؟ فكان من دهشتي أن رد علي بالإيجاب.. فصار من دهشته أن قلت له هل يمكن أن تعزف أمامي؟ فسألني: ليش؟ منتب مصدق؟ فقلت: بلى.. ولكن ليطمئن قلبي.
وبالفعل قام بطلب الآلة ثم عزف إحدى الأغاني التي كانت في حينها معدة للنزول للأسواق. ولما انتهى التفت إلي وقال: هاه وش رأيك؟ قلت: ليس للإبداع هوية ولا جنس ولا مقام.
أقول هذا إذا كنت – عزيزي – القارئ – مثل صاحبي تسأل كيف أمطرت سماء الشاعر "ساري".
وأقول هذا إذا كنت – عزيزي القارئ – مثل بعض أولئك الذين قد يستكثرون الإبداع على الشاعر الفحل الأمير خالد الفيصل أو المبدع الخلاق الأمير بدر بن عبد المحسن أو الروائي الجسور الأمير سيف الإسلام بن سعود أو الساحر الساخر الشاعر الأمير عبد الرحمن بن مساعد أو غيرهم من المبدعين الأمراء، لا لشيء إلا لما كان يسبق أسماءهم لقب "الأمير".
أو أولئك الذين قد يستكثرون الإبداع على قافلة الإبداع غازي القصيبي أو عبدالعزيز التويجري ـ يرحمهما الله ـ أو عبدالعزيز الخويطر أو عبدالعزيز السالم أو عبدالرحمن السدحان، لا لشيء إلا لما كان يسبق أسماءهم لقب "الوزير".
وأقول هذا إذا كنت – عزيزي القارئ- مثل بعض من السابقين أو اللاحقين..، الأحياء أو الأموات، الذين حسبوا أن الإبداع فقط.. (للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل).