70 % من سكان المملكة العربية السعودية شباب دون الثلاثين عاما، و50% دون سن العشرين، و42% دون سن الخامسة عشرة. إننا أمة فتية جدا بواحدة من أعلى نسب النمو السكاني العالمي، ولهذا فإن المملكة العربية السعودية لديها خزن إستراتيجي أهم جدا من البترول وغيره من الثروات الطبيعية ألا وهو "الشباب".

على الرغم من التفاؤل الذي تبعثه المؤشرات الإحصائية في المملكة، كوننا دولة فتية شابة مقارنة بالشيخوخة التي تعاني منها الدول الغربية، إلا أنني أتعامل مع هذا التفاؤل بحذر، إذ إن هذه الثروة الشبابية إذا لم نحسن إدارتها وتطويرها فإنها ستتحول إلى بركان دفين قابل للانفجار في أي لحظة.

هذه النسب تجعل "رعاية الشباب" فرض عين على الدولة في جميع مجالاتها فضلا عن تخصيص جهة معينة لأن تكون مسؤولة عنها وعن توجيه أنشطتها وثقافتها وتطويرها بما يجعل منها ثروة هائلة وثروة مستقبلية كامنة، إلا أن الحاصل هنا يدعو لاستدعاء علامات الاستفهام ووضعها على أهبة الاستعداد والاستنفار. فبينما نجد في كثير من الدول أن الجهة التي تقوم على "رعاية الشباب" هي وزارات مستقلة، فإننا هنا في المملكة ما زلنا نقوم على الرعاية بهم من خلال "رئاسة". والمفارقة هنا ليست مفارقة مسميات فقط، إذ للمسميات على الصعيد الحكومي دلالة على الدور الذي تقوم به هذه الجهة، كما أن المتتبع لأنشطة الرئاسة العامة لرعاية الشباب ومقارنتها بأهدافها يجد فجوة واسعة تتطلب إعادة النظر بشكل كبير في شمولية الدور الذي تقوم به الرئاسة، إذ أضحت كرة القدم لسبب لا أعلمه هي رعاية الشباب ورعاية الشباب هي كرة القدم، حتى أصبح كثير من الأنشطة الأخرى بل والرياضات الأخرى لا يحظى بالمستوى المأمول من العناية.

لن أتطرق لهذه الأهداف بالتحليل التفصيلي، إذ لا يتسع المقال لذلك، لكنني أود أن أركز على الهدف الأول والخامس والسابع من أهداف الرئاسة العامة لرعاية الشباب والتي تنص على:

1. المساهمة في تنشئة الشباب تنشئة اجتماعية قويمة مستمدة من التعاليم الإسلامية وتوفير الإمكانات الملائمة لمساعدتهم على النمو المتوازن بما يحقق ربط طاقات الشباب وقدراته بعمليات الإنتاج والخدمة في إطار خطة الدولة وإحياء وتأصيل التراث والتقاليد العربية والإسلامية في ميادين رعاية الشباب.

5. الارتقاء بمراتب البطولة والتفوق في ميادين الرياضة والشباب بما يعزز مكانة المملكة دولياً.

7. توفير القيادات الوطنية اللازمة للعمل في مجالات الرياضة والشباب.

بالنسبة إلى الهدف الأول، فبينما يتوقف الحديث والإشادات أو المهاترات الصحفية على كرة القدم، أكثر (بكثير جدا) من غيرها، نجد أننا نادرا ما نسأل رعاية الشباب عن دورها في "ربط طاقات الشباب وقدراته بعمليات الإنتاج والخدمة"، وماهية الأنشطة والميزانيات المخصصة لهذا الهدف الذي أعده أهم وأخطر هدف لرعاية الشباب على الإطلاق. للأسف إن جل ما أراه في إعلامنا حول هذه النقطة "يفصل" الشباب وطاقاتهم وقدراتهم عن عمليات الإنتاج والخدمة بدلا من أن يربطهم بها، ويربطهم بالمدرجات وأعلامها وهتافاتها.

ثم نأتي للهدف الخامس لأتساءل: إلى أي مدى ارتقت رعاية الشباب بمراتب البطولة والتفوق في ميادين الرياضة والشباب بما يعزز مكانة المملكة دوليا؟ فهذا التركيز المخل على كرة القدم بل وعلى المنتخب الأول أكثر من غيره ثم على أندية معينة أكثر من غيرها، وعدم الاحترافية في إدارتها أثر سلبا وبشكل لا يمثل مكانة المملكة على الإطلاق على معظم الأصعدة الرياضية (أستثني قفزالحواجز وفلاشات خجولة لألعاب القوى). فبينما سحبتنا كرة القدم في دوامتها الجارفة ونحن نتدهور فيها من هزيمة إلى أخرى، أُهمل كثير من الرياضات والألعاب التي من الممكن أن تبرز فيها المملكة بالشكل اللائق. مبادرة الصقر الأولمبي قد تكون استثناء من ذلك، ولكن من باب الموضوعية أرى أن هذه المبادرة لم تلق الدعم اللائق من قبل وسائل الإعلام التي لا يمكن للرئاسة أن تقوم بدورها بدون حضورها وتعاونها.

أما الهدف السابع المتعلق بتوفير القيادات الوطنية اللازمة للعمل في مجالات الرياضة والشباب، فلم أقف على التعريف الدقيق لمفهوم القيادات الوطنية اللازمة، ولكنني أفترض أن المفهوم ينسحب على الجانبين الفني والإداري. لن أعلق بأكثر من سؤالين: هل تحويل المدرب الوطني إلى "مرمطون" للقيام بمهمة "عط سداح فرصة" هو أفضل الطرق لتنمية القيادات الوطنية؟ هل الوضع الحالي لإدارات الأندية ماليا وإداريا وإدارة استثماراتها يعطي أي بارقة أمل في تطور هذه القيادات؟

أتمنى أن أرى تغيرا جذريا في أداء هذه المنظومة بحيث تنظر إلى مفهوم رعاية الشباب بشكل أكثر شمولية.

تغريدة:

إن رعاية الشباب يا سادة أكبر بكثير من أن تكون "كرة وصولجانا".. إنها رعاية الثروة التي لا تنضب والطاقة التي لا تنتهي.. إنها رعاية المستقبل وضمان التطور.