منذ الأزل والمجتمعات الإنسانية تخاف من كل مُستحدث؛ أمر فطري، لكن يتفاوت خوفها وقلقها فيما بينها تبعا لتفاوت تحصيلها للمعرفة والوعي والإدراك، فكلما تمت تنمية الوعي لدى الإنسان في مجتمع ما بالمعرفة وهي عادة في تطور مستمر؛ كلما استطاع تحرير خوفه من الأوهام المسيطرة عليه وعلى مجتمعه، والمقيدة لتطوره بما تنسجه من ظنون وأوهام تُؤدي إلى تيبُسه أثناء تبنى الأفكار المستحدثة مما تفرضه التنمية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كحاجة إنسانية مُلحة، والعكس صحيح أيضا، فكلما ضعف وعي وإدراك الإنسان بالمعرفة، بات أكثر خوفا وقلقا مما يظنه مصدر تهديد وإفساد لنمطية حياته المنسوجة في قالب من أفكار تبناها سلفه ولم تعد صالحة في مجتمعات المعرفة المتطورة الحديثة، والمعرفة المقصودة هنا والتي تتفاوت المجتمعات فيها صعودا وهبوطا، ليست ما تحمله الكلمة من معنى تقليدي يتبادر للأذهان، وإنما هي"الإدراك والوعي والفهم" لحقائق الأشياء أثناء جمع المعلومات؛ وينتج عن عملية "التعلّم" لا عن "التعليم/التلقين" فنقول مثلا: إنسان عارف أي فاهم ومُدرك، وليس المعنى هنا "مُتعلم"، فكم من مُتعلم غير فاهم ولا مدرك، وكم من أمّي كان فاهما ومدركا.
لقد انتبه الفيلسوف الإغريقي أفلاطون إلى هذه المسألة منذ 2400 عام وضرب مثالا لتقريب نظريته حول صراع الوهم والحقيقة، أذكره هنا باختصار، وهو أن جماعة عاشوا في كهف لم يخرجوا منه قط، فلم يروا النور ولا الطبيعة، وكانوا مقيدين للأمام فلم يروا سوى جداره المظلم الذي تظهر عليه ظلالهم متحركة نتيجة اشتعال نار خلفهم أعلى الكهف، فتوهموا أنها هي حقيقة لصور توهموها في أذهانهم، حتى حُرر أحدهم يوما من قيوده، وقاده الفضول لأن يفهم، فأدار ظهره، وتفاجأ برؤية نار مشتعلة آذت عينيه بضوئها المباشر، وشيئا فشيئا؛ بدأ يرى حقيقة ظلّه المتحرك وجماعته لكنها رؤية متواضعة، فجره فضوله لأن يعرف أكثر، ومشى باتجاه مخرج الكهف حتى فاجأته الشمس الساطعة ليؤذي نورها عينيه بقوة، إذ لم يشاهدها قط، وبدأ يتعودها بصره بالتدريج، حتى اتضحت له صور الطبيعة وجسمه الإنساني الذي لطالما رأى ظلاله المتحركة في الظلام، وأدرك حقيقة ما كان وهما في عقله، وحينها قرر الرجوع لجماعته ليخبرهم بالحقيقة وأن ما يرونه في الكهف مجرد أوهام مُتخيلة، وحين عاد وأخبرهم أن ما هو خارج الكهف حقيقة وأنهم في وهم الظلال لم يفهموا فكرته الجديدة، لأن عقولهم لم تُدرك ما تحدث عنه كونهم لم يشاهدوا الخارج من قبل، فغضبوا منه وظنوه مصدر تهديد لنمطية حياتهم، وحينها كان أمام خيارين: إما أن يبقى معهم في الكهف لأنه كائن اجتماعي أو يخرج وحيدا للطبيعة وجمالها التي أدرك حقيقتها!
لقد أراد أفلاطون أن يُعلم تلاميذه بهذه القصة أن "المعرفة" التي جاءت بدورها الطبيعة موجودة حول الإنسان، ولكن الوعي وإدراك حقائقها ليس سهلا، طريقها مُظلم ويحتاج لمجهود ورغبة ذاتية، والوصول إليها سيؤدي لصدمة كصدمة نور الشمس لعينيه، لكنها صدمة "مستنيرة" ستؤدي إلى المعرفة والإدراك اللتين تمكنانه من رؤية الحقيقة، فالتعّلم الذاتي ُمتعب ومُجهد، لكنه يحرر العقل من الأوهام والمخاوف والقلق التي عادة ما تعيق تطور حياة الإنسان وتعطل عملية التجريب والمحاولة وتجعله يستكين للكسل والخمول، ولولا التجريب والمحاولة لما استطاع الإنسان الأول الخروج من الكهف ليصل اليوم إلى قدرة ركوب الطائرات وقطع البحار دون خوف من سقوط أو غرق، ولكن حين يستسلم العقل لقيود أوهامه وظنونه فلن يكون أمامه سوى العيش في كهف موحش ولن يمتلك من الطبيعة التي سخرها الله تعالى له، سوى مجرد ظلال لا تنفعه في شيء!
ولو قمنا بالمراجعة لمستوى وعينا وإدراكنا المعرفي في المجتمع من كل مستحدث جديد على مدى نصف قرن في ظل المجتمعات الإنسانية المعرفية من حولنا؛ سندرك ماذا تعني قصة الكهف! إذ ماذا فعلنا مع "الراديو والإذاعة" و"السيكل" و"الدش الفضائي" و"جوال الكاميرا" و"تعليم المرأة" وانتهاء إلى "عمل المرأة كاشيرة" و"بيعها لمستلزماتها" ومؤخرا "معرض الكتاب الدولي" و"الجنادرية"! بل وأمور أخرى هي أساس المعرفة اليوم ومن وسائل الوعي والإدراك كـ"السينما" و"المسرح" و"تطوير التعليم" إلى آخر القائمة! فالمعرفة من حولنا تتطور سريعا في عصر التقنية والتكنولوجيا ولكن مستوى إدراكها بطيء، ويبدأ من حيث ابتدأ الآخرون معها لا من حيث انتهوا!
أخيرا؛ إن كان أفلاطون تحدث عن نظرية الوهم والحقيقة عبر جماعة الكهف منذ 2400 عام، فإن القرآن الكريم في عظيم سوره نبهنا لها في سورة الكهف التي نقرأها لما فيها من فضل كبير، ومنها ما تُكسبه للمؤمن من نور كما جاء في الهدي النبوي، ولكن ما المقصود هنا بالنور؟ هل هو الذي نعرفه ماديا أم هو نور الإدراك المعرفي والوعي الفكري؟ حتما سنعرف الإجابة جيدا لو أمعنا القراءة وتأملنا القصص الواردة في سورة الكهف، والفتية المؤمنين، وصاحب الجنتين، وقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وذي القرنين في الأرض، جميعها تُحرض عقولنا على الخروج من كهف الأوهام والظنون إلى نور الإدراك والمعرفة، فسورة الكهف العظيمة تهبنا دروسا فكرية عظيمة فليت قومي يدركون!