حمدي فريد، عبقري الدراما الكويتية وفنانها الكبير, أهم الأعمال كانت بلمساته وتحت كاميرته، لكن النجومية راحت للممثلين، فبقي هو ورفيقه السيناريست طارق عثمان في منطقة الظل بروح الموهوب الخجول، إلى أن مات بصمت الكبار وعزلتهم الملكية. ولما يتذكر الخليجيون بحنينهم الأخاذ المسلسلات الكويتية التي اشتغلها فريد وعثمان تطفر من العين دمعة وتهيج الروح بالذكرى العصية ويستحيل القمر نافذة. كانت رؤياه بسيطة وواضحة "فن بلا كلفة وأداء بلا تكلف". فأعمال التراث الشعبي الدرامية التي كان يبرع بها تلفزيون الكويت إنتاجا منذ منتصف السبعينات وحتى 1990 كـ"جحا" و"الغرباء" و"الإبريق المكسور" وغيرها كان الفنان الخلاق يشتغلها بروح التربوي الفاضل والأب المسؤول. "هل نتذكر إلى أبي وأمي مع التحية"؟ لا لن أتذكر حتى لا يطيش القلب وتتدحرج الحياة نحو سهول العتمة, حينها كانت الأيام طرية والناس أجمل والأحلام بسيطة، كان حمدي فريد وطارق عثمان ويوسف وطلعت حمودة ومحمد السيد عيسى سببا في ذلك, واليوم تعالت الصرخات في الوجوه, هبطت الصفعات على الوجنات, تدنت المسؤولية القيمية, زاد سعار السوق, نفخت الشفاه, شفطت الدهون, شد ما ترهل, كشف ما ستر, ارتج ما ثبت, نسي تلاميذ حمدي فريد وصاياه أو تناسوها, افتتحوا مؤسسات للإنتاج, اشتغلوا مع القنوات, أذهبت الأموال عقولهم, تحولوا لنماذج تثير التعاطف والكآبة, تجار شنطة درامية, تغير الزمن, أصبحت الحياة قاسية ومتوترة، وحين يتعطف علينا تلفزيون ما فيعيد بث أعمال حمدي فريد فإنه يعيد إلى أرواحنا شظاياها المنسية, يثبت ما تزعزع, يصوب ما طاش, يمنحنا لمسة إنسانية وسط هذا التوحش الحيواني للبشر.

رحم الله حمدي فريد أبا ومعلما ومبدعا وفاضلا وخلاقا وفنانا مجلجلا في الذاكرة، مثل طيف سحري لشيخ عابر منحنا الحكمة والوصايا الطيبة، ومضى في غيبة أبدية.