المطالب غير المنطقية من المؤسسة العامة للتقاعد التي يتم نشرها باستمرار في وسائل الإعلام، والمتمثلة في توصيات ومطالب غريبة وصلت إلى درجة مطالبة المؤسسة العامة للتقاعد بأن تصرف جزءا من استثماراتها على الفقراء من المتقاعدين، وبناء مساكن لهم.. وهناك من يطالب بإنشاء نواد ثقافية ومراكز صحية ومستشفيات خاصة وغيرها من المطالب تثبت أن أناسا كثيرين يخلطون بين التقاعد كنظام تأمين اجتماعي عالمي له أهداف إستراتيجية طويلة المدى وبين المؤسسات الخيرية والوزارات الحكومية.

هذه المطالب لم تكن تثير انتباهي لو أنها نوقشت في جلسات خاصة من قبل أشخاص لم تسمح لهم ظروفهم ولا مؤهلاتهم بمعرفة نظام التقاعد، ولذلك نعذر أصحابها نظرا لعدم إلمامهم بهذا النظام بشكل كامل، مثل الشخص الذي اتصل على أحد أعضاء هيئة كبار العلماء يستفتيه في كيفية تقسيم "إرث التقاعد"، وأعتقد أنه ليس وحيدا، فهناك أشخاص كثيرون ينظرون إلى التقاعد على أنه إرث يجب الحصول عليه من المؤسسة العامة للتقاعد يتم توزيعه على الورثة بعد وفاة المتقاعد، دون إدراك للهدف الحقيقي للتقاعد الذي يتمثل في ضمان دخل للموظف مدى الحياة، في حين أن الإرث يقسم مرة واحدة وينتهي وربما يصل إلى جيب شخص لا يستحقه ولا يحتاجه، وهناك من طالب بأن يكون التقاعد إرثا بدون مصدر دخل مدى الحياة، وهو الأمر الذي بني نظام التقاعد على ضمان عدم حدوثه، بل إن أحد أهداف نظام التقاعد أن يكون مسؤولا عن الموظف طول حياته وعن الأفراد المعتمدين على هذا الموظف حتى لو تطلّب الأمر أن تكون هذه المسؤولية مدى الحياة، وهذا يعكس البعد الاجتماعي لهذا النظام.

التقاعد موضوع يهمنا جميعا، وبعض هذه المطالب يؤدي إلى عرقلة الوظيفة الأساسية للتقاعد كأحد الأنظمة المدنية الحديثة في القرن العشرين. وتنفيذ هذه المطالب ربما يؤدي إلى أن تتحول المؤسسة العامة للتقاعد إلى جمعية خيرية توزع الفائض من استثماراتها على الفقراء من المتقاعدين، أو أن تنشغل بأمور هي اختصاص قطاع التأمين، أو أن تتحول إلى وزارة للصحة تشغل نفسها بفتح المراكز الصحية، أو تزاحم الرئاسة العامة لرعاية للشباب ووزارة الشؤون الاجتماعية في فتح الأندية والمراكز الاجتماعية، أو تقوم بدور وزارة الإسكان. هذا ليس الهدف الأساس للتقاعد، فالمؤسسة العامة للتقاعد يجب أن تضع الربحية وتنمية المدخرات والاستثمارات بأقصى درجة هدفها الرئيس، ويجب أن نشكر التقاعد والتأمينات محليا كما يفعل غيرنا عالميا عند إظهارهم للمقدرة الإدارية والمالية في إدارة الأصول وتنمية الاستثمارات في الدرجة الأولى، وهو الأمر الذي لم يحظ باهتمام كاف في الكثير مما يطرح حول التقاعد والتأمينات في وسائل الإعلام، على الرغم من أنه أكبر تحد يواجه صناديق التقاعد عالميا وربما محليا في القرن الواحد والعشرين.

أتمنى أن هناك من اهتم بملاءة المؤسسة العامة للتقاعد وملاءة الصناديق وضمان استمراريتها من أجل ضمان الوفاء بالتزاماتها للأجيال القادمة، وأن هناك من استشعر الأخطار التي قد تواجه التقاعد عالميا في القرن الواحد والعشرين، والمتمثلة في ازدياد معدل الأعمار الذي يتزامن مع ازدياد العبء المالي على المؤسسة العامة للتقاعد والمؤسسة العامة للتأمينات الذي يتصاعد عاما بعد الآخر بسبب الزيادة الكبيرة في أعداد المتقاعدين ذوي المرتبات العالية، والتي سوف يكون تأثيرها واضحا على التقاعد والتأمينات في السنوات القليلة القادمة.

هل خطر في حسبان من يريد المؤسسة العامة للتقاعد أن توزع جزءا من استثماراتها على المتقاعدين أن مثل هذا العمل قد ينتج عنه عدم مقدرة صندوق التقاعد على الوفاء بالتزاماته عندما يحل ضيفا على التقاعد عند بلوغه الستين؟ أم إنه لم يفكر في ذلك، رغم أني أتوخى فيمن رشح نفسه للحديث في موضوع بهذا الحجم أن يمتد اهتمامه إلى التفكير في وضع التقاعد عندما يأتي دور الأجيال القادمة بعد فترة طويلة.

موجودات التقاعد يفترض أن ينظر إليها نظرة إستراتيجية تحمل بعدا زمنيا يخدم أجيالا قادمة، ويتجاوز النظرة القصيرة، ولا يعير اهتماما للمطالب التي من شأنها أن تلحق ضررا بالغا على المدى الطويل. صناديق التقاعد والتأمينات ليست ملكا للجيل الحالي وحده، بل هي ملك للأجيال القادمة، ومهمة جيلنا المعاصر هي المحافظة عليها وتنميتها والتأكد من ملاءتها وقدرتها على الاستمرار، وهي مهمة صعبة يجب أن نعيها جيدا ونفكر ألف مرة قبل اتخاذ قرارات قد تؤثر عليها سلبيا.

وختاما تجدر بنا الإشارة إلى أن صناديق التقاعد تعتبر أحد المرتكزات الاجتماعية والاقتصادية في الكثير من الدول التي تتعامل معها بوعي وبمنتهى الحذر، لدرجة أن رؤساء الدول يجعلون المحافظة عليها أحد اهتماماتهم ويوضحون مواقفهم حيالها في أجندتهم السياسية.، إضافة إلى أن إجراء أو تعديل السياسات المتعلقة بالتقاعد يعد أمرا بالغ الصعوبة لدرجة أن المرشح لرئاسة الدولة يوضح للناخبين وجهة نظره حول هذا الموضوع الحساس، في الوقت الذي نجد مجتمعنا يتعامل بكل بساطة مع مثل هذه القضايا البالغة الحساسية.