ناقش كاتب هذه السطور قضية إقامة نظام للتجنيد الإجباري في المملكة في مقالين سابقين (التجنيد الإجباري .. خيار المستقبل - عدد 2697 بتاريخ 17 فبراير 2008) و(التجنيد الإجباري .. ملف يجب أن يناقش بكل جدية – عدد 3285 بتاريخ 27 سبتمبر 2009) حيث تلخص الطرح الأساس في فكرة أن نظاما للتجنيد الإجباري في المملكة سيكون مدخلاً لحل عدد من المشاكل التي تواجه المملكة، ويمثل سياسة وطنية كبرى من شأنها أن تعيد صياغة واقع المملكة، وفكرة التجنيد الإجباري كما طرحها كاتب هذه السطور تدور حول عدة نقاط:

الأولى: أن نظاماً للتجنيد الإجباري سيكون مدخلاً للتحول الاقتصادي الذي لا تزال المملكة تسعى جاهدة للوصول إليه، فالمعضلة الرئيسة التي تعانيها المملكة هي ارتفاع نسب البطالة بين الشباب في ظل زيادة مضطردة لنسبة السكان، وهو ما يشكل ضغطاً حقيقياً على الاقتصاد الوطني.

في حين تشهد المملكة سنوات رخاء اقتصادي حقيقي نتيجة مشهودة بعجلة تنمية ومشاريع كبرى فإن المشكلة تكمن في أن انعكاس هذا الرخاء يظل محصوراً في فئة صغيرة (على سبيل المثال تظل نسب البطالة مرتفعة في حين تظل نسب الطلب على العمالة مرتفعة والسبب أن الشباب السعودي لا يزال يحجم عن الدخول في قطاعات وأعمال معينة مثل البناء)، وفي حين يبلغ أعداد خريجي الثانوية العامة سنوياً حوالي 200 ألف طالب فإن هذه القوة البشرية الهائلة يمكن أن يكون لها أثر كبير في الاقتصاد الوطني إذا ما تم تفعيلهم من خلال نظام للتجنيد مدته عام واحد، يمكن في هذا العام إجبار الشباب من خلال حياة الجندية الصارمة على القيام بالعديد من الأعمال مثل البناء ونظافة الشوارع، وهو الأمر الذي يغني وطننا عن الاعتماد على الأعداد الهائلة للعمالة الأجنبية في الوقت الذي سيقوم فيه هذا النظام بكسر الحواجز النفسية والاجتماعية التي تحجزنا عن التحول لاقتصاد عمّالي كما في كل الدول الكبرى.

الثاني: أن التجنيد الإجباري ليس مجرد عمل للتعبئة العسكرية قدر ما هو ثقافة وتنشئة اجتماعية، ومن شأن نظام للتجنيد الإجباري أن يقوم على تنشئة جيل كامل من خلال حياة التجنيد الصارمة على جوهر المفاهيم الوطنية التي تعبر فوق أي تجاذبات.

إن تجنيد الفتيان لخدمة الدولة سيساعد على جعلهم أكثر فهماً لما تمثله الدولة لهم وما يمثلونه هم لها، وتجنيد الفتيات على سبيل المثال لخدمة الفقراء والأيتام والمرضى سيجعل لهم شعوراً بقيمتهم لدولتهم، وكلا الأمرين أفضل بكثير من التسكع في الشوارع والأسواق، فالتجنيد ليس مجرد حمل السلاح وإنما هو قبل ذلك ثقافة مجتمعنا بحاجة لها.

على أنه إضافة للفوائد على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي تبرز مؤخراً فوائد أخرى لمسألة إرساء نظام للتجنيد الإجباري في المملكة، والأهم هو على الصعيد السياسي وبالأخص مع التطورات الأخيرة في المنطقة، فالمملكة وكأحد اللاعبين الكبار في نظامها الإقليمي تظل الأقل من جهة العسكرة الاجتماعية، وهذه المسألة رغم حساسيتها الكبيرة بحاجة ماسـة لنقاش جـاد، ففي ظـل تزايد التحـديات العسكرية في المنطقة والمعتمد بعضها بشكل كبير على قدرات الردع أمام دول الخليج تبرز حاجة لمناقشة مدى اسـتعداد وأهمية أن الخطو باتجاه التجنيد كخيار سياسي نبرز من خـلاله استعدادنا لأن نكون في منطقتنا أكثر من مجـرد قـوة اقتصـادية نفطية.

إن المناقشة السابقة لمسألة التجنيد اعتمدت على فوائده الداخلية ولكن ما يعكسه الواقع الإقليمي اليوم هو أن للتجنيد فائدة أيضاً على السياسة الخارجية للمملكة في ظل محيط إقليمي إحدى ركائزه هو القوة العسكرية. ومن ثم فإن من شأن إرساء نظام للتجنيد الإجباري للشباب في الدولة أن ينعكس إيجاباً على السياسة الخارجية في المملكة وأن يعطيها المزيد من القدرة على الفعل السياسي في محيطها الإقليمي، حيث إن التجنيد سيعد إيذاناً بمرحلة تحول اجتماعي واقتصادي تؤكد تحول المملكة من دولة رخاء اقتصادي تعتمد على ريع النفط إلى اقتصاد عمّالي صناعي يعتمد على كوادره الشابة بشكل أساسي، ومن شأن مثل هذا النظام أن يعيد على المدى الطويل صياغة توازنات القوى في المنطقة، فالتهديد العسكري الإقليمي لن يقابله مجرد تهديد اقتصادي، والاستعراض العسكري سيجد في مقابله استعراضاً ، وستجد السياسة الخارجية السعودية كرتاً جديداً قوياً للعب على الساحة الدولية.