ضايقتني جملة قالها الإعلامي المصري الأستاذ وائل الإبراشي في برنامجه (الحقيقة) أن مصر فوق الجميع. وهي جملة بدون شك تستفز أي عربي لأنه بطبعه يحب مصر، ولكنه لا يقبل من أحد أن يقول له (أحببني بالغصب) لأن الحب يأتي برغبة المحب ولا يُفرض عليه. وحتى في العلاقة بين الدول، فإن التقدير يأتي برغبة الدول ولا يأتي بطلب أو استعلاء من طرف آخر. وحتى لا يفهم كلامي بالخطأ، أقول لإخواننا المصريين: إن مصر في قلوبنا.. ونضعها بأنفسنا في شرايين وجداننا، نتألم لمتاعبها ونفرح لأفراحها.
من السهولة تجاوز هذه الجملة من باب عدم العتاب بين الأحباب لذلك ومع تقديري للأستاذ الإبراشي في حماسه ومهنيته العالية، أود أن أقول إنه عندما تثار هذه الجملة لصالح أي بلد، فمن المؤكد أنها سوف تثير بقية الشعوب عليها، لأنه استعلاء في غير محله إذ لا تقبل أي بلاد أن ينقص حقها. وبالتالي من المؤكد أيضا أن هذا الأمر يتجاوز ضرره الدول ليشمل الشعوب في وقت نحن أحوج إلى الترابط الوجداني الذي يشكل بيئة التبادل التجاري ويغذي المصلحة المشتركة.
سوف أذكر مثالين آخرين من الجمل التي أعتبرها (مؤزمة) للعلاقة بين الشعوب قبل أن تمس الحكومات. ففي تغطيته لأزمة تأخر رحلات المعتمرين المصريين في رمضان الماضي، اعتبر الأمر (إهانة) للمصريين. وأنا هنا أخاطب الحس الصحفي للأستاذ الإبراشي، فلو أن هذه الجملة أثارت رد فعل عنيف عند المصريين، ترى هل يمكن تخيل حجم الضرر الذي سوف يصيب العلاقة بين الشعبين لو أنهما تبادلا تلك المشاعر. الذي أعرفه من الحس العروبي للأستاذ الإبراشي أنه لا يرضى أن تساء العلاقة بين العرب وأنا أشهد له وقوفه مع الجزائر ضد الحملة التي شنها بعض الإعلاميين المصريين عليها خلال كأس أفريقيا. لذلك وبنفس هذا الحس.. وبالمهنية الصحفية المعروفه عنه، كنت أتمنى أن يستضيف في برنامجه مسؤولي مكاتب عمرة ووكلاء سياحة وإعلاميين من المملكة ليمثلوا وجهة النظر الأخرى حتى يتضح الرأي الآخر وتكتمل الصورة من جانبين.
المثال الثاني في تغطيته لمسألة المساعدات المالية لمصر، اعتبر المساعدات واجبا تقدمه الدول لقاء ما قدمته مصر لها. ومع عدم الجدل في هذا الرأي، فإن مساعدة الدول العربية لشقيقاتها تعد واجبا عروبيا ودينيا. ورغم ذلك يظل الخلاف قائما في وجهات النظر حول كيفية تقديمها. فهي من وجهة نظر المانح (واجب ذاتي) تمليه عليه العواطف وأيضا المصلحة الاستراتيجية المشتركة لكنها في نفس الوقت ليست إجبارا أو أمرا كي يقدمها صاغرا.
بكل تأكيد لا يقصد الأستاذ الإبراشي الإساءة لأي دولة.. ولا يتمنى أن تساء العلاقة بين الشعوب العربية. بدليل إفساحه المجال لمداخلة سفير المملكة في مصر الأستاذ أحمد القطان للبرنامج في شوال 1432 وفي حلقة الأسبوع الماضي الذي بين بالمنطق المعلومات التي كانت غائبة. الأمر الذي نتج عن هذه المداخلة كما ظهر لي القبول بتصحيح الصورة. ولكي تكتمل الصورة كاملة، أطمئن الأستاذ الإبراشي وكل إخواننا المصريين أن مصر في قلوبنا ونحن نحبها ونحب ناسها الطيبين.