كنتُ أتساءل: هل الحكم بالجلد والسجن شهرين على شاب ثلاثيني عقوبة رادعة ومعالجة ومخيفة له ولغيره نتيجة محاولته الانتحار؟ هل سيكون ذلك سببا لعدم محاولته مرة أخرى أم سيدفعه لإعادة المحاولة؟ كانت أسئلة طرقت رأسي حين قرأت خبرا بإحدى الصحف منذ أسبوع يُفيد بالحكم على شاب ثلاثيني بالسجن شهرين والجلد 60 جلدة مكررة ثلاث مرات، والمؤلم، أن هذا الشاب حاول الانتحار أكثر من مرة، في إشارة مؤكدة أنه يعاني من عدم تكيف مع الحياة ومعاناة نفسية معقدة، وقد شخص مستشفى الصحة النفسية حالته بتقرير طبي "إنه هادئ ومتعاون ومترابط الكلام، ولا تبدو عليه أعراض المرض العقلي باستثناء اضطراب عدم التأقلم لسوء استخدام المواد المحظورة". ووددت التوضيح هنا القصد من سوء استخدام المواد المحظورة! فهل هي أدوية معينة كالمهدئات العصبية مثلا أم مخدرات أم ماذا بالضبط ؟ ولكن يبدو أنها لا تصل إلى مستوى المخدرات وإلا كانت هي الأولى بالعقوبة والمحاكمة.

ما يهمني في هذا الخبر، هو تُهمة الانتحار نفسها، فالإنسان لا يقبل على قرار خطير بهذا الشكل ينهي حياته إلا وقد وصل لمرحلة من الاكتئاب والحزن المرضي تمنعه من التكيف مع الحياة وظروفها المعقدة، والأولى المعالجة النفسية لهذا الإنسان، خاصة وقد أقدم على المحاولة عدة مرات سابقة. وتساءلت هل سيردعه الجلد والسجن عن ذلك فعلا أم سيكون دافعا لأن يعيد الكرة وينجح بالمرة القادمة؟ فمن يفكر أن ينهي حياته لن تُخيفه أي عقوبة جسدية. وكم تمنيت أن يُودع هذا المريض الصحة النفسية بدلا من الجلد والسجن لمعالجته نفسيا ومحاولة إعادة ثقته بحياته ومساعدته على التكيف بدلا من شحنه ضدها، فهو مريض ويستحق التعاطف والمساعدة!

وبعيدا عن هذا الخبر، فالانتحار أمر شدد الله تعالى على تحريمه بأن شدد العذاب على مرتكبه، ولا شك أن ضعف الوازع الديني والقنوط واليأس من الحياة أسباب للانتحار، ولكن بتنا وبشكل شبه يومي نقرأ في الصحف عن محاولات انتحار عند الشباب وخاصة الشابات، وتزداد سنة بعد سنة، ففي عام 2010 وصلت إحصائيات حالات الانتحار لدينا ما يقارب 800 حالة انتحار، ومرة أخبرتني صديقة تعمل بأحد المستشفيات عن استقبالهم للكثير من محاولات انتحار فاشلة، خاصة الشابات، والعلاج لمثل هذه الحالات ليس بالعقوبة، بل بالعلاج النفسي الذي يُعيد لهؤلاء الاتزان والتأقلم والتكيف مع ظروفهم، كما أن الإصابة بالاكتئاب وهو مرض عضوي أكثر منه نفسي يحتاج لعلاجات دوائية وليس فقط نفسية. وقبل كل شيء علينا أن نعالج ظروف حياة الشباب والفتيات في المجتمع، فالمجتمع كما نعرف جيدا يقسو كثيرا عليهم ويحملهم فوق طاقتهم.