صارت المعلومة أقرب إلى الباحث عنها ـ زمانا ومكانا ـ من أن يرتد إليه طرفه، بعد أن كان الحصول عليها، ـ قبل استثمارها ـ منجزا كبيراً، ومعاناة لذيذة، لكن الأجيال الجديدة، تجد المعلومة بكل يسر، وتنشغل عنها بـ "التطاحن" حول فلان الذي "مسح بفلان البلاط"، وعلان الذي انتصر لتيار بني قيل وقال.

لن أذهب بعيدا في وصف طرائق الحصول على المعرفة، وسأكتفي بمدينتي لتكون أنموذجاً من جانبين: أحدهما، الشغف بالمعرفة، والآخر، كون الحصول عليها حدثا تاريخياً يدون وتسرد حوله الحكايات؛ ففي أبها، وفي منتصف القرن الهجري الماضي، أصدر سعيد الغماز, جريدةً أسبوعية, أسماها "العسير", وصدرها بقوله: "جريدة أسبوعية تبحث في الأخلاق والأخبار, تصدر بأبها عاصمة عسير بشعب البديع", وكان يكتبها بخط يده, ويقسمها إلى أعمدةٍ على الطريقة الصحفية, وهي تدل ـ على الرغم من بدائيتها ـ على اهتمامهم بالصحافة بوصفها وعاء معرفيا, مما يفسر بعض ممارسات مثقفي أبها القرائية، في النصف الثاني من القرن, وجدتْ وكالةٌ لمجلة المنهل بأبها سنة 1357هـ, وفي هذه المعلومة إشارة إلى أن الشباب كانوا يطلعون على الإصدارات الأدبية المحلية, بل ويحرصون على ذلك من خلال "الاشتراك في الصحف المحلية, والخارجية", وربما اشترك مجموعةٌ منهم في مطبوعةٍ واحدة بحيث يتعاقبون على قراءة نسخةٍ واحدة, يؤكد ذلك ما دونه الدكتور عبدالله أبوداهش على لسان الأديب علي علوان الذي قال: بأن "صالح كتبي الموظف بدائرة إحصاء النفوس في أبها, قد حضهم على الاشتراك في الصحف المصرية, وقد فعلوا, وأن الصحف المحلية كانت تصل إليهم في أبها, مثل: المنهل, البلاد السعودية, قريش, وغيرها..", ويقول أحد معاصري هذه الفترة في إحدى مذكراته, وهو الأستاذ محمد أحمد أنور: "... كان يصل إلى منطقة عسير بالبريد من مكة المكرمة... جرائد ومجلات وطنية منها: مجلة المنهل, وهي الأفضل يصدرها الأستاذ عبدالقدوس الأنصاري, وجريدة البلاد, والمدينة... أما مجلة المنهل, وبعدها صدور مجلة العرب, ومؤسسها الأستاذ حمد الجاسر, واليمامة فيما بعد, ثم جريدة عكاظ, كانت الغذاء الفكري الوحيد, ثم جرائد ومجلات مصر هي السائدة في ذلك الوقت, والمتربعة على منبر الثقافة, وفيها أدبٌ وثقافة...", ويؤيد هذا القول ما ذكره الأستاذ محمد بن عبدالله الحميد من أن "مجلات: الرسالة, والثقافة, والهلال كانت تصل إلى الناشئة الأدباء في أبها عن طريق البريد, والاشتراكات المالية, وأن الثقافة هنا كانت ثقافةً مصرية", بينما يذكر محمد زايد الألمعي أن المجلات الأدبية كانت تصل إلى إحدى المكتبات التجارية بأبها يوم الأربعاء من كل أسبوع, وكان الشباب المهتمون بالثقافة يتسابقون من أجل الحصول عليها.

إنهم يبحثون عن المعرفة.. ينتظرونها.. يعانون من أجلها، وشتان بين من تأتيه "باردة"، ومن يصعد لعينيها أكثر من قمة، ليكون هي.