تعقيباً على مقالي الأخير في صحيفة الوطن (حين يتحول إنكار المنكر لمنكر أكبر) وصلني ما يلي على مدونتي: "قبل شهر، وبصفتي أحسب نفسي من طائفة المتدينين كنت سأختلف معك تماماً.. ربما سأعذر هؤلاء المحتسبين وأردد العبارة الشهيرة أنه لا يهاجم المحتسبين عموماً، إلا من كان في قلبه مرض.. لكن تغير هذا كله وإليك قصتي..

قبيل شهر كانت لي ومجموعة من طلبة وطالبات الطب فعالية تطوعية لتوعية المجتمع بمرض الإيدز في مجمع تجاري بمدينة ما.. كانت المواد التوعوية تركز على الالتزام بقيمنا وتعاليمنا الإسلامية.. كان الركن "الرجالي" في موقع آخر تماماً من الركن "النسائي"، وحرصت جميع الطالبات على الالتزام بالنقاب الكامل (ليس حتى اللثام أو البرقع) والعباءة والبالطو المحتشم.. في أحد أيام هذه الفعالية هجم علينا أحدهم.. يقول إنه يحمل صفة رسمية مع أنه لم يظهر لنا أي إثبات.. صرخ علينا أمام المتسوقين بسوقية وهمجية بحتة، طلب منا أن نخرج له إثباتاتنا ولما رفضنا قال: "إذاً أمامي، والعياذ بالله، نساء غير حقيقيات".. ثم طلب منا أن نحمل طاولاتنا ولوحاتنا وننقل ركننا إلى حيث ملاهي الأطفال.. وعندما سألناه "لماذا؟"ـ بأدب واحترام، تنوعت حججه من أننا "سببنا زحمة واختلاطا!" أليس هذا علامة الحملات التوعوية الناجحة؟! و"أننا نحتضن بعضنا البعض؟!" و "أن اختلاط الناس في السوق ضرورة بينما نحن وعملنا لسنا بضرورة"!

واستمرت هجماته علينا وتعطيل أعمالنا.. تجمع علينا الناس وانتهت تلك الليلة بأن طبيبات الوطن المحجبات الشريفات اللواتي خرجن من دواماتهن إلى السوق لتوعية المجتمع، وهن لن ينلن من هذا شيئاً سوى الأجر من الله، انتهت تلك الليلة بأن المتسوقين تجمعوا عليهن وصوروا المحتسب الذي يدعي أنه من الهيئة، وهم يصرخون عليهن ويحاولون منع مصوري القنوات من التقاط صورة لفعاليات حملتهن.. لن أنسى في حياتي مشهد الشباب الذين أخرجوا جوالاتهم ليصورونا.. خنقنتني العبرة.. إذاً نحن الطبيبات العفيفات الشريفات صرنا في مقاطع الفيديو على اليوتيوب؟!

قد يعود البعض ويلبسنا التهمة بأننا ربما طاولنا ألسنتنا عليه أو أننا خرجنا بصفة غير قانونية.. نحن ما رددنا عليه بكلمة واحدة.. والله يشهد.. كان صراخه ينصب علينا فيأتي بعض أخوتنا طلبة الطب ليقولوا له: "كلمنا نحن ولا تكلم النساء"، فيذهب حتى يغادروا إلى ركنهم ثم يعود ليقف إلى جانبنا مجدداً.

كان جميع زبائن ركننا متسوقات.. ولو حصل وأتى رجل فإننا نرشده إلى الركن الرجالي لنمنع الاختلاط.. كنا محافظات على أدق التفاصيل في عملنا لكي نضمن وصول الخير بدون أية إشكالات.. ولكن بعض المحتسبين لا حل لهم!

حاولنا الاستشارة القانونية فوجدنا ثغرات كثيرة في وضعنا، أولها أننا مجموعة تطوعية.. ونساء، وكان رأي الكثير أنه لا طائل أن نضع رأسنا برؤوس هؤلاء الناس.. فهم لديهم الخبرة في الخروج من أية ورطة وجيش من القانونيين والإعلاميين ومن الناس المغترين بهم. فما كان أمامنا من حل إلا أن نبلعها ونسكت ونسمع الشائعات هنا وهناك تطير مثل أننا كنا نغازل.. وأننا لم نكن محجبات وأننا اختلطنا..إلى آخر التهم المعلبة المؤلمة..أخيراً أنا لست ضد الهيئة ولا المحتسبين ولا الإسلام قطعاً..أنا مجرد مواطنة حاولت أن تفعل خيراً فدفعت سمعتها ثمناً لذلك.."...

انتهى تعقيبها والذي يقطر ألماً وحسرة وإبداعاً في الوصف في الوقت نفسه، إذ لم أحتج إلا لتحريره بشكل طفيف، وليس لدي شك في أن قصتها حقيقية، ليس فقط لأنها طافحة بالصدق في كل كلمة، وإنما لأنني تعرضت وفي بريطانيا قبل سنوات لمواقف مشابهة من المحتسبين -العابرين للقارات- حينما كنت أقوم مع زميلاتي بأعمال تطوعية إسلامية أو وطنية في جامعتي. كم كان مؤلماً أن يأتيني طالب سعودي وأنا أقوم بالتعريف بمكة والمسجد الحرام ضمن فعالية إسلامية لمجموعة من غير المسلمين ليقول: "إنتِ مين سمح لكِ تمثلين السعودية دون إذن؟!" وعبثاً حاولت أن أشرح لطالب الدكتوراه أنه لا أحد يملك احتكار الحديث عن مكة المكرمة فهي لكل المسلمين. وتعرضت لإرهاب وتشويش واتهامات "بالليبرالية".. فقط حين طالبت بحق الطالبات آنذاك في المشاركة في انتخابات رئاسة الأندية الطلابية أسوة بالطلاب (انتخاب فقط وليس ترشيحاً!)، خاصة أننا ندفع رسوم اشتراك مثلهم. وكنت أعتقد أن هذه الفئات المتطرفة قد انقرضت من بين جموع المبتعثين الهائلة اليوم، إلا أن مكالمة تليفونية تلقيتها من صديقتي في أميركا قبل أسبوع خيبت أملي! فصديقتي وزميلاتها يتعرضن لإرهاب فكري وعنف لفظي، لأنهن يردن القيام بفعالية جامعية إسلامية وسعودية تتحدث عن المرأة السعودية الناجحة وتحاول تحسين الصورة السلبية عنها في أميركا، إلا أن هذا لم يمنع هؤلاء المحتسبين المتطوعين من الإساءة للفتيات والتشويش عليهن وتخويف بعضهن حتى ينسحبن، فهم يعرفون كم تكره الفتاة أن تتحول إلى حديث مجالس بحق أو بباطل.

هذه القصص الثلاث رغم تباعد الزمان والمكان، إلا أن بينها خيوطاً مشتركة، فهاهنا فتيات متعلمات تعليماً عالياً.. ملتزمات بحجابهن.. محبات لوطنهن ودينهن ولعمل الخير ولم يقمن بأي عمل يمكن أن يختلف عليه عاقلان! فلماذا تتم محاربتهن على هذا النحو المخجل؟ هؤلاء الآنسات والسيدات يستحققن أوسمة شكر، تقديراً لجهودهن وأن يصبحن قدوات يحتفى بهن لا علكة تلوكها الألسن منتقصة!

ومن يحق له أن يمارس الاحتساب؟ كما حُصرت الفتوى.. ألا يمكن حصر الاحتساب أيضاً؟ والملحقيات الثقافية في الخارج، هل يحق لها إنذار ومعاقبة الطلبة الذين يتحرشون بالطالبات وفعالياتهن؟ وكيف نوفر قنوات آمنة للنساء لإيصال شكواهن وتوعيتهن بكيفية نيل حقوقهن بدلاً من السكوت وبلع الإهانة ظلماً كما حصل مع طبيباتنا؟

للمرة الثانية..إنكار ما يعتقد أحدهم أنه منكر يمكن أن يتحول لمنكر أكبر، مثل الظلم والقذف والإساءة للآخرين بتصرفات همجية يتم تبريرها باسم الدين.. كذبة تخر منها حتى الجبال.