تعد المملكة من أبرز الدول المصدرة للطاقة النفطية، وأكثر الدول غير المستفيدة من حجم المخزون النفطي الهائل الذي يعيش عليه الشعب السعودي ويقبع تحت أقدامه. فالسعودية هي المصدر الأول للسوائل النفطية في العالم، والمصدر الثاني للنفط الخام بعد روسيا بمجمل يقارب (12) مليون برميل يومياً. وتذكر المصادر المختلفة أن النفط يشكل (90%) من حجم عائداتنا كصادرات. وحوالي (40%) من عائدات الناتج الإجمالي المحلي، وباحتياطيات تصل إلى (264,600,000,000). وهذا حسب ما ذكرته الإحصائيات الأخيرة في عام 2011م، إذ تصدرت فينزويلا المرتبة الأولى (296,500,000,000). وحسب وكالة (فيتش للتصنيفات الائتمانية) فإن التصنيفات السيادية للمملكة قد ارتفعت نتيجة لارتفاع عوائد النفط بشكل سريع. ووصفت القوة الرئيسية للسعودية بانخفاض قيمة الديون وارتفاع قيمة الريال المحلية والخارجية والتي بنت جداراً عازلاً ضد الصدمات المستقبلية. وأشارت فيتش إلى أن الحكومة السعودية لن تحتاج إلى إجراء تعديلات كبيرة في حجم الإنفاق حتى في حال حدوث انخفاض حاد في أسعار النفط ليصل إلى (30) دولارا للبرميل، نظراً لحجم الأصول المحلية والخارجية والقدرة على الاقتراض. وانعكس تعزيز بيانات الميزانية الخارجية والداخلية والإصلاحات الاقتصادية والهيكلية في تزايد وتيرة نمو القطاع الخاص. ويشكل التضخم الخطر الأكبر على الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، خاصة مع ارتفاع مستوى التضخم لأكثر من (10%) للمرة الأولى منذ أكثر من (35) عاماً. ويشكل الغذاء والإيجار حوالي (40%) من سلة أسعار الاستهلاك، فقد ارتفع مؤشر الإيجارات والوقود والمياه لأكثر من (18.5%) في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة (15%). ويشكل ارتفاع الطلب المحلي للإسكان والأماكن المكتبية والطعام السبب الرئيسي لذلك الأمر، في حين يضيف ارتباط الريال بالدولار الذي يتعرض لمنافسة شرسة من قبل اليورو ضغوطاً متزايدة... كان ذلك التصنيف في عام 2002م. هذه التصنيفات في الحقيقة تضعنا في مواجهة حقيقة ضعف الاستفادة الصريحة من ثروة بهذا الحجم تُعد في العرف الاقتصادي ثروة ناضبة (أي قابلة للزوال في أي وقت)، لأن ثروة بهذا الحجم هي بمثابة الحلم عند (99%) من دول العالم المنتجة، إذ إن حجم الاستثمار السعودي لهذه الطاقة لا يشكل أو يصل إلى رقم الطموح، ولا يعزز من القدرات الاستثمارية السعودية في الداخل أو الخارج. وبنظرة صغيرة سنتعرف على الكثير من الذي يمكن للسعودية أن تقدمه لمستقبلها، وتضع نفسها بين مصاف الدول المصدرة للطاقة عالمياً بشكل يليق بحجم الثروة المملوكة، خاصة مع تنامي الطلب العالمي على الطاقة النفطية ومشتقاتها. وركزوا معي على (مشتقاتها)، فالواضح عدم استثمار هذا الجانب بالطريقة التي تتناسب مع الازدياد المتسارع للنمو الصناعي العالمي، إذ ليس هناك سوى (سابك واحدة) بمصانعها وشركاتها المختلفة لصناعة البتروكيماويات، والتي تمثل الذراع الصناعي السعودي الأول والأكبر. ولنأخذها أولاً من الجانب الإنتاجي العالمي، ففي نشرة سابك الأخيرة على موقعها بشبكة الإنترنت لعام 2010م جاء فيها التالي: بلغت الأصول المالية (317) مليار ريال، فيما بلغت إيرادات المبيعات (152) مليار ريال، ووصلت الأرباح المالية إلى (21) مليار ريال سعودي. وقياساً بحجم الثروة النفطية السعودية، فإن هذه العائدات تعتبر جيدة إلى حدٍ ما لجهة استثمارية واحدة فقط، وهزيلة قياساً بحجم وكمية الخام المتوفر في محيطها.. فكيف لو كان هناك (سابك 2 و3 و4 و5 ...) مثلاً. من وجهة النظر الاقتصادية سينعكس ذلك قطعاً على قوة الاقتصاد والوجود السعودي في مشهد السوق الاقتصادي العالمي، وسيرفع من صوت وحضور السعودية كلاعب أساسي له حساباته الخاصة بين دول العالم، بل وسيصنع التغيير في مؤشر درجات ميزان العالم التجاري، وسيخلق الفرق داخلياً وخارجياً على الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية أيضاً، وقطعاً سيكون لذلك تأثيره الكبير على حياة المواطن السعودي وبشكل جذري إلى الأفضل لا محالة، وسيمكنها من القضاء على نسبة البطالة التي تربك مسيرة التنمية الداخلية، وتقيد سواعد الشباب. إن فكرة إيجاد (سابك ثانية وثالثة و...) هي فكرة طموحة لا أشك في أنها ضمن أجندتنا المستقبلية، لكن الخوف الأكبر هو من تأخر الدراسات التي غالباً ما تكون عائقاً نفسياً أكثر منه عملياً وعلمياً، وهو برأيي الأمر الذي لا مبرر له في ظل توافر المادة الخام الأصلية الرئيسية، ونشوة السباق العالمي المحموم نحو المستقبل والصناعات البتروكيماوية تحديداً، إذ باستطاعة المملكة أن تكون وفي فترة وجيزة إحدى أهم الدول العالمية المصنعة، وليست المستهلكة، للكثير من السلع التي تضطر لاستيرادها حالياً، وهي جديرة بذلك حتماً بوجود مساحات الأرض والقوة البشرية الجيدة قياساً بجاراتها من دول الشرق الأوسط. وقد تدعم المدن الاقتصادية التي تقوم السعودية في الوقت الراهن بتدشينها فكرة انتشار استثمارات المشتقات البترولية السعودية وتصديرها للخارج، وتزيد من فرصها للاستحواذ على قطعة أكبر من حجم الشراكة المالية العالمية التي سيمثلها تواجدها ضمن منظمة التجارة العالمية (WTO). وبدون شك يظل المستقبل هاجسا بالغ الأهمية وهدفا تضعه الحكومة السعودية في مرتبة متقدمة في سياق رؤيتها الاقتصادية والسياسية، وطموحا لقراءة وتقييم العالم الاقتصادي من حولها من خلال لغة الأرقام والأرقام فقط.. وهو ما سيصنع الفرق بالتأكيد.