يمثل الحذاء الخشبي لدى الأوروبيين رمز الفقر، ولهذا يستخدمونه كثيرا في أمثالهم المرتبطة بالفقر والثروة. أحد أجمل هذه الأمثال ما يمكن أن أترجمه كالتالي "من الحذاء الخشبي إلى الحذاء الخشبي في ثلاثة أجيال" والمقصود أن الثروة التي يكونها الجد يضيعها الأحفاد.
فذلك الجد الذي بدأ حياته مكافحا منافحا سواحا في الأسواق ليجمع الفلس على الآخر ويكون ثروته التي نقلته هو وأبناءه من لبس الأحذية الخشبية إلى مصاف التجار، سيأتي عليه يوم ليتحسر على تلك الثروة وهو يرى أحفاده غير المؤهلين يضيعونها ذات اليمين وذات الشمال حتى يعود هو وإياهم إلى مصاف الفقراء ذوي الحذاء الخشبي مرة أخرى.
إنها دورة طبيعية للمال فما أتى منه بسهولة يضيع بسهولة، لكن ليس ذلك هو السبب الوحيد لضياع الثروة فإن هنالك أسبابا أخرى أهمها عدم تنظيم هيكلة العائلة بطريقة تلغي ذلك الصراع المحموم غير المقيد على النفوذ ومصادر الزيادة في المال والذي غالبا ما تكون نتيجته ضياع التركيز وتحوله من النماء والاطراد إلى التوزيع والاقتسام وإعادة دورة البداية كل بحسب توجهه ورغبته لتكون النتيجة النهائية ضياع ثروة العائلة.
للأسف الشديد فإن مجال الاستشارات المتخصصة للشركات العائلية ما زال يخطو خطواته الأولى هنا في المملكة على الرغم من أن نسبة لا بأس بها من اقتصادنا تعتمد بشكل مباشر على هذه الشركات واستثماراتها، وكثير من هذه الاستشارات يصب في اتجاه واحد، وهو اتجاه تحويل هذه الشركات إلى شركات مساهمة بشكل خطي يصعب علينا في كثير من الأحيان أن نمضيه ونقبله دون تحفظات. فكثير من هذه الشركات المساهمة تتيح للملاك الأصليين فرصة جيدة لعائد كبير من خلال القيمة المضافة للسهم ولكنها تنقل مشكلة الاستثمار العائلي من مرحلة الخصوصية إلى مرحلة العموم. فالحاصل أن جزءا كبيرا من أسهم هذه الشركات يظل بيد العائلة المؤسسة (إن جاز لي التعبير) والتي تمتد سيطرتها على أداء الشركة من خلال أغلبية الحصص ومجالس الإدارة بينما تبقى العائلة في ذاتها على ما هي عليه من تلقائية التوسع والامتداد الأفقي والعمودي (أي التناسل والتصاهر والاستثمار) دون أدنى تنظيم وترتيب لهيكلة الأسرة فتكون الطامة مضاعفة إذا ما أصاب هذه العائلة سوء لأن ذلك سيؤثر بلاشك على الشركات المساهمة التي لهم فيها نصيب الأسد (بالمفهوم العام لا المفهوم القانوني).
المقصود أنه بالإضافة لهيكلة استثمارات الشركات العائلية، فإنني أرى أنه لا مناص من أن نتجه لهيكلة المجالس العائلية، لنصل لإدارة العائلة كمنظومة ذات هيكل منسق له مجلس إدارة وجمعية عمومية وحوكمة لمجلس الأسرة وصلاحيات وآليات للترشيح والإقصاء والإعفاء وما إلى ذلك من أمور لا تدع مجالا للظن وتحكيم العواطف والعشوائية.
وأنا هنا لست آتيا بجديد، وإنما أكرس أهمية تلك المبادئ الراقية التي أتت بها شريعتنا الغراء وفقهنا الإسلامي المميز في كثير من جوانبه، والأمثلة على ذلك كثير. فعندما طلق عبدالرحمن بن عوف زوجه (تماضر بنت الأصبغ) وهو على فراش الموت أتاه الخليفة (عثمان بن عفان) وقال له إنه إن مات من مرضه هذا ورثها ولم يعتد بطلاقه لها وهو ما عرف بعد ذلك فقها بـ(طلاق الفار).
وقبله ذلك المثل الرائع الذي علمنا إياه أبو الحضارة والرقي صلوات ربي عليه وسلامه عندما رفض أن يشهد على هدية الصحابي لابنه سائلا إياه "أكل ولدك نحلت مثله؟"
وقبل هذا المثال الرائع (وغيره كثير) نعود إلى كتابنا ودستورنا الذي ما فصل في شيء تفصيله في المداينة والمكاتبة والإرث وطرق توزيعه وإثبات شهادة الشهود على الوصية.
لقد تبدل الزمن وتطورت المعاملات وتعقدت الأمور بشكل يجعل تركها دون تنظيم وترتيب من قبيل الظلم الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية وما كانت الأمثلة المبينة في متن هذا المقال إلا نموذجا لذلك.
على الرغم من دعوتي المستمرة لأن لا نأخذ بأنظمة "الخواجا بيجو" على ماهيتها مهما كان تطورها وعمق تفصيلها لأن "الخواجا" وضع نظامه لما يصلح شأنه إلا أنني في ذات الوقت أدعو للاستفادة من هذا التطور التفصيلي والإجرائي الذي وصل إليه "الخواجا" وإعادة مواءمتها مع احتياجاتنا ولديهم في هذا الباب الكثير مما يمكن أن نستفيد منه.
وللحديث في هذا الباب بقية!
تغريدة: عندما نتعامل مع الناس، فإن الخط المستقيم ليس بالضرورة أقصر مسافة بين نقطتين! بل أحيانا يجعلنا ذلك أبعد مما نظن!