في مقال سابق تناولت الطبقة الوسطى من ناحية النشأة، مقالي اليوم يتناول الطبقة الوسطى من ناحية المضمون. فمن ناحية تناول الطبقة الوسطى من ناحية النشأة "التاريخ الاجتماعي"، فإن تناول تركيبتها كذلك من ناحية المضمون "الاقتصاد السياس الاجتماعي" يبين أهمية الطبقة الوسطى من ناحية التطور والحراك الحضاري في المجتمعات البشرية. حيث إن الطبقة الوسطى هي من يمثل روح التاريخ وعقل الحاضر وأمل المستقبل والاستقرار الاجتماعي بشكل عام.
لن يتسنى لنا فهم الطبقة الوسطى من ناحية المضمون، ما لم نستعرض الطبقة العليا والدنيا من ناحية المضمون كذلك، حتى تتضح لنا معالم كل طبقة من ناحية مضمونها والطبقة الوسطى بشكل خاص. ومضمون كل طبقة هو المبادئ والقيم التي يتمحور حولها خطابها وتترجمه على أرض الواقع من خلال سلوكها المرتكز على مبادئها وقيمها الخاصة بها.
كل مجتمع ينقسم لثلاث طبقات، طبقة عليا وطبقة وسطى وطبقة دنيا؛ ولكل طبقة من هذه الطبقات مبادئها وقيمها الخاصة بها، التي تعبر من خلالها عن مصالحها المادية والمعنوية والاجتماعية وتعززها بها. فمنذ أن نشأت المجتمعات وأخذت في التطور كانت مكونة من طبقتين، طبقة عليا، قليلة العدد تمتلك الثروات والقرارات السياسية وتوجه الثقافة الاجتماعية والقيمية في المجتمع. وطبقة دنيا وهي الغالبية المتبقية بالمجتمع وهي طبقة معدمة، تابعة غير مؤثرة، بحكم جهلها بحقيقة ما يدور حولها من حقائق ومؤثرات.
كانت الطبقة العليا، مكونة من السلطة الحاكمة والثرية بحكم قربها منها وكذلك القيادات العسكرية والثقافية والدينية الخادمة لها، والقيادات التقليدية المسيطرة على الأرياف من ناحية الإقطاع ورأس المال الاجتماعي. وبرغم قلة عددها، إلا أنها المسيطرة والمحركة للمجتمع بلا منازع؛ بحكم سيطرتها على الثروات في المجتمع وتحريكها للسياسة فيه وتوجيه ثقافته؛ وفوق كل هذا وذاك سيطرتها على الأدوات والآليات الرسمية من قضاء وشرط، ومن مبادئها الحرص الشديد على الأمن في المجتمع ورفض أي فكر ناقد أو مشكك بسلامة الوضع القائم، ناهيك عن أي حراك من الممكن أن يهدده.
الطبقة الدنيا برغم كونها الأغلبية في المجتمع التقليدي، إلا أنها بسبب أميتها التعليمية والثقافية وانشغالها بجمع قوت يومها كمجموعات مزارعين صغار أو رقيق أرض أو رعاة بؤساء، لا تشكل أي حراك إيجابي في المجتمع. وثقافتها البسيطة والساذجة المعتمدة على الخرافة وتقديس التقليدية والماضوية والتبجيل الذاتي العنصري والحط من قيمة الآخر، تشكل لديها كوابح ضد التفكير الإيجابي الذي يصب في مصلحتها وأي أمل لتقدمها أو تطورها. فكما يقال الجاهل عدو نفسه، فالطبقة الدنيا أول من يحارب من يدافع عن مصالحها وتتهمه بالكفر والزندقة والمروق من الدين. ولذلك فهي أرض خصبة للوعاظ، وأرض قفر لكل مثقف أو مفكر أو فقيه عقلاني أو عالم دين تنويري ينافح ويدافع عن حقوقها.
والطبقة الوسطى أو البرجوازية، هي الطبقة التي تقطن المدن، فكلمة برجوازي هي مفردة من اللغة الإيطالية والتي تعني ساكني المدن. أي من يعيشون في المدن من تجار وأطباء ومهندسين ومعلمين ومحامين وحرفيين وموظفين حكوميين وما شابههم. وقد ظهرت الطبقة الوسطى أول ما ظهرت في أوروبا، إيطاليا في البداية ثم تلتها باقي الدول الأوروبية خلال انتشار المدن ونموها فيها، نتيجة الكشوفات الجغرافية في نهاية القرن الخامس عشر الميلادي، وتدفق الثروات الطائلة على خزائن الحكومات الأوروبية الذي مهد لظهور المدن وتطورها وازدهارها من خلال نموها الاقتصادي والعمراني. حتى وقفت المدن على أرجلها وبدأت تنمو وتزدهر ذاتياً من خلال ازدهار الصناعة فيها ورواج التبادل التجاري بينها. ومن هنا كبرت المدن والتي من خلالهاً ظهرت الطبقة الوسطى التي أخذت تكثر وتتسع في أوروبا وتجذب لها السكان من الأرياف، وتحولهم من مزارعين أو رعاة، إلى سكان مدن متحضرين، أي سكان حاضرة. وهكذا نبعت الطبقة الوسطى من رحم الطبقة الدنيا الفلاحين الصغار ورقيق الأرض والرعاة.
في المدن الناشئة، اكتسب سكانها الجدد في البداية الحرف المهنية التي سهلت لهم الحصول على أعمال ودرت عليهم دخولا مادية ثابتة ومستمرة، مما خلق لديهم الاستقلالية وعدم التبعية لأصحاب الإقطاع الزراعي من الناحية المادية، كما كانوا قبل نشوء المدن. كما أن انتشار المدارس في المدن منحهم فرصة التعلم والحصول على الثقافة من مصادرها المستقلة عن التوجيه الإيديولوجي أو الطبقي، حيث انتشار دور النشر التجارية، بعد اختراع المطبعة والتي بدورها أسهمت في توافر الكتب والجرائد والمجلات والدوريات العلمية. ومع انتشار التعليم ووسائل الثقافة المتعددة الاتجاهات والتوجهات في المدن سنحت لقاطنيها فرصة المشاركة في الحراك الثقافي للمدن. خاصة في ظل الكشوفات العلمية التي حطمت كثيرا من النظريات اللاهوتية والخرافية التي كانت تكرس وتدعم خطاب الطبقة العليا على المجتمع الذي يصب لصالحها على حساب الطبقة الدنيا، قبل ظهور الطبقة الوسطى ونضوجها.
الطبقة الوسطى الجديدة، قيمت قدراتها وإمكاناتها من خلال انخراطها في العمل والتطوير، فأحست بأن قوانين وأنظمة المجتمع لم تعد تخدم طموحاتها وتطلعاتها للمستقبل الذي تصنعه وتجهز نفسها له. وذلك في ظل سيطرة الطبقة العليا وتحكمها بموازين القوى من ناحية سيطرتها على الثروات الوطنية وجمعها للسلط الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية بيدها وحدها. والتي كانت تدعم تسلطها الجشع وديكتاتوريتها البشعة، بخطاب شعبوي تقليدي مكرر، يعتمد على الطاعة العمياء للكهنوت من أجل سيطرة الطبقة العليا، على مقاليد السلطة والثروة بالمجتمع.
وبما أن الثقافة في المجتمع أو الخطاب التقليدي، (العادات والتقاليد وحتى تفسير العلم والتاريخ)، كانت مسخرة للحفاظ على الوضع القائم كما كان، أخذت طلائع الطبقة الوسطى الفكرية الناشئة في البداية تسعى لتفكيكه واستبداله بخطاب يوازيه ويدافع عن مصالحها ويحفظها ويؤمن الوسائل والسبل للوصول لطموحاتها. ثم تطور ونضج الخطاب "الطبق وسطوي" في القرنين السابع والثامن عشر الميلاديين، ليتمحور حول مبادئ الحرية والعدالة والمساواة وسيادة القانون والفصل بين السلطات. حيث إن هذا الخطاب يصب مباشرة في صالح الطبقة الوسطى المادية والمعنوية ويفتح المجال واسعاً أمام طموحاتها المشروعة المادية منها والاجتماعية والسياسية.
وعندما كبرت الطبقة الوسطى وأصبحت تمثل الغالبية في المجتمع، حولت خطابها المدني الحضاري لأجندات سياسية تحولت لثورات أدت لتسلم طلائعها السياسية الحركية، والمعبرة عن خطابها "السياس – اقتصاد – اجتماعي"، سدة الحكم والسلطة في مجتمعاتها وأصبحت هي من تقود مجتمعاتها وتدير دفة تطوره ونموه.