إكمالاً لما سبق، قلت للفتاة: إن التعدد ليس واجباً في الإسلام، إنه مباح فقط، مع تأكيد أن من حق المسلمة أن ترفض أن تعيش مع رجل تزوج عليها. لكنني فيما بعد عندما بقيت وحدي برزت أمامي صورة نورة، ونورة فتاة من بلادنا ليس لها أب كرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يغضب لأنه يعلم بضعفها وعدم قدرتها على احتمال ما يجره التعدد، وليست مستقلة مادياً لتقول لرجل تعتمد عليه في معيشتها وسكنها حين يظلمها أو يخونها: "طلقني".

في الثانوي خطبها ابن جيرانهم بعدما لمحها؛ فخطفت قلبه كما خطف قلبها، لكن والدها الذي يربط دائماً بين الحب والدمار الأخلاقي يوقن تماماً أن ابنته نورة أكثر عفة من أن يخفق قلبها بالحب، إن والد نورة - مثل كثيرين في بلادنا - في داخل عقله تستوطن آلاف الأفكار الغريبة حول النساء الشريفات، فهن لا مشاعر لهن ولا رغبات، ولا يفكرن مطلقاً في الرجال حتى لو كانت رغبة طبيعية تحت ظل شرع الله.

لذا رفض أبوها جارهم بدعوى عدم التكافؤ, واستمر عذره الواهي مع كل عريس يطرق بابهم، فيسأله عن جده الرابع عشر ليرسب في امتحان حفظ الأنساب؛ ومن ثَمّ فهو غير جدير بمصاهرته!

تخرجت نورة ولم تجد وظيفة, لديها فقط وقت فراغ طويل وجهاز لاب توب ينقلها لعالم آخر ممتلئ بالبشر والرجال، وبخاصة المخلوقات التي لا تعرف عنها شيئاً في الواقع، وحذرتها أمها منهم كثيراً, وتبعاً لقاعدة الممنوع مرغوب لمست نورة عالمهم بأصابعها فتهاوت في عالمهم.

لم يعلم والدها مطلقاً بما تفعله حين تقفل باب غرفتها مع جهازها، تعرفت على ملاحدة وعلمانيين وليبراليين، ناقشت بعضهم وصدّقت بعضهم وأيّدت بعضهم، امتلأ رأسها بأفكار لم تدرسها في المدرسة عن عالم آخر, أحبت عبره مرة ومرتين وثلاثاً، ووزعت صورها وانتهكت براءتها آلاف المرات, وتحطّم قلبها أكثر من مرة، وابتزها رجل من بلاد بعيدة وأنقذتها الهيئة من قضية، وكل ذلك ووالدها يقسم أن نورة لا تهتم بمثل هذه الأمور، يقصد الحب طبعاً!! حتى وجدت نورة نفسها الزوجة الثالثة وهي في الخامسة والعشرين لرجل أجبرها على ترك اللاب توب في بيت والدها، وتفهمت هي ذلك, أرادت حقاً أن تبدأ من جديد وأن تنسى كل ما فعلته بعيداً عن الواقع مع من يصفه والدها بأنه متدين ويخشى الله، ثم هي كما يقول والدها أيضاً كبرت ولم تتزوج، والشباب يريدون فتاة صغيرة!!

دخلت نورة شقتها فوجدت مكتبة كبيرة كلها كتب في الشريعة، قال زوجها إن معظمها إهداءات ولم يقرأ أي كتاب منها!!

وقت الفراغ الكبير منح نورة فرصة للاطلاع، تذكرت وصايا مثقف التقته في منتدى بأنها ما إن تقرأ بوعي أن تضع خطّاً تحت ما لا تفهم وما لا يعجبها، وبأن تربط وتحلل، وبأن تفكر، وفي يوم ناقشت زوجها في اختيار المرأة لزوجها، فالتفت نحوها صارخاً: من أين جئت بهذا الفكر التغريبي؟

ويتبع.